كمين عرسال وأخطاء المعارضة القاتلة

السبت 2014/08/09

انتهت معركة عرسال، وأجلي الجرحى وأدخلت المساعدات الإغاثية، ويجري العمل على دفن القتلى ضحايا المعركة، قُرئت البيانات، وانسحبت قوات تنظيم داعش وجبهة النصرة إلى مواقعهما داخل الحدود السورية، وأعلن الجيش اللبناني انتصاره على الإرهاب، وأغلق الملف وكأن شيئا لم يكن.

شكّلت بلدة عرسال اللبنانية قبل نشوب المعارك الأخيرة فيها خاصرة ومتنفسا لأهالي القلمون السوري، فإلى عرسال يذهب القلمونيون هربا من الحرب، ومن عرسال تدخل المواد الطبية والإغاثية إلى المدن والبلدات المحاصرة في القلمون الغربي، وأيضا إلى عرسال يذهب الناشطون السوريون الهاربون من بطش قوات بشار الأسد وحواجزه المتربصة. لكل ذلك اكتست بلدة عرسال أهمية استراتيجية بالنسبة للمعارضة السورية، كما لأهالي منطقة القلمون السوري بالكامل.

وستتجلى أهمية البلدة الحاسمة، خصوصا بعد خسارة قوات المعارضة السورية لمواقعها في القلمون الغربي، وتحديدا بعد خسارتها مدينتي يبرود ورنكوس وغيرهما من مدن وبلدات القلمون. كل هذا جعل من بلدة عرسال مكانا آمنا للاجئين السوريين، ومن جرود عرسال العصيّة على القوات العسكرية من كلا الطرفين النظام السوري ومقاتلي حزب الله اللبناني مكانا للمعارضة المسلحة الساعية إلى إعادة لململة صفوفها.

بضربة واحدة خسر السوريون كل هذه المزايا، وخسرت قوات المعارضة آخر منفذ لها في اتجاه العالم الخارجي، وبذلك تكون قوات حزب الله اللبناني وقوات النظام السوري قد نجحوا في إحكام الحصار على منطقة القلمون بالكامل، وأصبحت الحدود اللبنانية من بلدة القصير قرب حمص وحتى مدينة الزبداني غربي دمشق، كل هذه المنطقة باتت تحت رقابة قوات النظام.

من المستبعد القول إن مقاتلي جبهة النصرة وتنظيم داعش عملوا بالتنسيق مع تنظيم حزب الله والنظام السوري، في سبيل تنفيذ هذا المخطط، أي إخراج بلدة عرسال من الحسابات العسكرية للمعارضة السورية، ولكن قد يكون من الصحيح أيضا أن هؤلاء المقاتلين تم استدراجهم وتوظيف سذاجتهم السياسية والعسكرية في سبيل ذلك.

ومن هنا من غير المستبعد أن يكون اعتقال أحد قادة المعارضة السورية هو الفتيل الذي يقف خلف إشعال كل تلك الأحداث في عرسال، أي أن هذا الاعتقال لا يعدو كونه استفزازا كان من المتوقع ما سيجره من ردود أفعال لدى تنظيم داعش وجبهة النصرة المتحالفة معه، وهو ما حدث فعلا. إذ عبر هذه الحادثة تم توريط مقاتلي المعارضة السورية في معركة تدعو إلى الرثاء من شدة ابتذالها.

بعد انطفاء معارك عرسال، نستطيع الملاحظة بأن ما جرى هناك يشبه بآلياته وتداعياته ما جرى في أماكن مختلفة من محيط دمشق.

ففي ما مضى، استدرج النظام مقاتلي المعارضة لدخول مخيم اليرموك جنوب العاصمة، وهو ما سمح لقوات النظام من أن تنجح في فرض حصار على جنوب العاصمة، ما كان له أن ينجح لو لا دخول مقاتلي المعارضة إلى اليرموك.

والشيء ذاته حدث في حي جوبر شرقي العاصمة حيث استُدرج مقاتلو المعارضة لدخول الحي، وبذلك تمكنت قوات الأسد من إطباق الحصار على الغوطة الشرقية بالكامل.

واليوم أيضا يتكرر السيناريو في عرسال، وينجح مقاتلو حزب الله وحلفاؤهم في إطباق الحصار على القلمون الغربي. وهذه هي أهم نتائج وأسباب معركة عرسال.

انتهت معركة عرسال، وانسحب المقاتلون، ولكن تداعياتها لن تنتهي بعد، على الأقل في المدى المنظور. فعلى صعيد التواجد السوري المدني في البلدة، والذي وصل تعداده إلى 120 ألف لاجئ، سيعاني هؤلاء اللاجئون الأمرين بعد هذه الأحداث، فالعقل الشمولي سيحمل السوريين، كل السوريين، ضريبة ما سُفك من دماء وما حدث من دمار في البلدة، وسيفرض حصارا على المحاصرين أصلا، لتتحول مخيماتهم البائسة إلى ما يشبه المعسكرات، حيث الدخول والخروج سيكون شبه مستحيل على الأهالي المنكوبين.

وعلى صعيد آخر، ستنعش أحداث عرسال خطابا عنصريا بغيضا، راح السوريون المتواجدون في لبنان يلمسون أثره عليهم، إذ بات السوري اليوم وفي أي بقعة في لبنان متهما حتى يثبت براءته، كما بات معنيا بتقديم شهادات حسن سلوك في كل مناسبة تبرئه من دم جنود الجيش اللبناني الذين قتلوا في أحداث عرسال.

يرزح السوريون اليوم في لبنان تحت وطأة ظروف غاية في المرارة زادتها أحداث عرسال قسوة وصعوبة، وفي كل مرة ترتكب فيها المعارضة السورية المسلحة حماقة ما، يتوجب على الفقراء من أبناء شعبنا دفع الضريبة كاملة من دمائهم ودماء أطفالهم.

فالسوريون المتواجدون في لبنان والذين تجاوز عددهم المليون ونصف المليون هم من عليهم مواجهة العنصرية التي استفزتها أحداث عرسال، وهم من عليهم أن يواجهوا المضايقات اليومية من بيئة هي في الأصل عدائية تجاههم.


كاتب صحفي سوري

9