كم إسراء غريب في وطننا العربي

إسراء غريب قتلوها باسم الشرف، لأسباب نفسية بحتة أجهزت الأسرة عليها بأيدي والدها وأخيها الأكبر لتدفع عنها عار فعلتها النكراء! هذا العار الذي سكن عقولهم فقط، لم يره غيرهم.
الاثنين 2019/09/09
إسراء غريب ضحية جرائم الشرف

خلف الأبواب المغلقة، في البيوت المسكونة بالعتمة وظلامية التفكير القابع في كهوف الجهل، بين خيوط العنكبوت في وطننا العربي ملايين الفتيات تتشابه حكاياتهن مع إسراء غريب، تلك الفتاة الفلسطينية البسيطة التي لم تخرج عن الأعراف والتقاليد إلا في خيال أسرة اعتادت الكبت والتضييق على أفرادها.

إسراء كانت تعمل في مجال التجميل “ميكب أرتيست” محترفة، واتسعت أحلامها وتلونت بألوان قوس قزح، كانت تحلم بأن تصبح إحدى خبيرات التجميل الشهيرات في العالم لولا أن عقلية عقيمة، متربصة أهدرت حقها في الحياة بالأساس، ماتت الفتاة من أجل ما يطلق عليه جرائم الشرف، وهي التي لم تدنس شرف أحد.

شابة تمارس حقها الشرعي المتاح لها دينيا وعقائديا واجتماعيا ونفسيا في لقاء خطيبها وزوج المستقبل لتضع تصورا شاملا عن الرجل الذي سيشاركها، رجل يتقاسم معها الفراش والطعام، والحياة، فكيف لها أن تعرف من هو؟ زوج من المفترض به أن يشاركها بقية حياتها التي أنهتها الأسرة بالضرب المبرح المفضي إلى الموت.

نعم الموت، قتلوها باسم الشرف، لأسباب نفسية بحتة أجهزت الأسرة عليها بأيدي والدها وأخيها الأكبر لتدفع عنها عار فعلتها النكراء! هذا العار الذي سكن عقولهم فقط، لم يره غيرهم، بتحريض خبيث من ابنة عمها، طارت أنباء اللقاء المسجل بين الفتاة ومخطوبها في مكان عام لتبادل الحديث في أمور ربما لم تتح لهما الفرصة للتحدث عنها باستفاضة.

ليست إسراء هي الأولى بالتأكيد، ولن تكون الأخيرة، هي مجرد رقم أعاد للأذهان قضايا عديدة وجرائم شنعاء ارتكبت باسم الشرف

“كلنا إسراء غريب”.. هاشتاغ يدعم فتاة فلسطينية توفيت بسبب رؤية عائلية مغلوطة لمفاهيم الشرف والفضيلة.وتصدر هاشتاغ “كلنا إسراء غريب” موقع التدوينات القصيرة  تويتر، بعدما تفاعل رواد الموقع مع قضية وفاة أو قتل الفتاة الفلسطينية. تعاطف عدد ليس بالقليل من مستخدمي تويتر على الهاشتاغ حتى أصبح “تريند” نال تداولا نشطا، وجاءت تغريداتهم مساندة للفتاة وطالبوا بالقصاص لحقها، وسط إجماع على أنها قتلت ولم تمت ميتة طبيعية.

عقب إعلان الوفاة التي قالت الأسرة إنها طبيعية، والفتاة كانت تعاني خللا نفسيا، انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي من فيسبوك، وتويتر تسجيلات تشير إلى تعرضها لحالة عنف شديد متعمد من أسرتها، داعمين منشوراتهم وتغريداتهم بالعديد من الصور للفتاة بما يؤكد قتلها عمدا، وتناقلت وكالات أنباء داخل فلسطين وخارجها الخبر ولكن بروايتين، متضاربتين.

الأولى تؤكد أن الوفاة طبيعية نتيجة معاناة الفتاة من اضطرابات عقلية، إثر حادث سقوط بفناء المنزل، جراء معانتها من اضطرابات عقلية. وهذه روجتها الأسرة للإفلات من العقاب والملاحقة القانونية، وطمسا للحقيقة، أما الثانية فتشير بأصابع الاتهام تجاه ذكور الأسرة بداية من والدها وأخوتها نهاية بزوج شقيقتها، مؤكدة أن أخاها الأكبر بصفة خاصة قتلها عمدا بعد تعذيبها بوحشية مفرطة، ونشر بعض أصدقائها تسجيلا صوتيا للفتاة وهي تصرخ مستغيثة تحت وطأة التعذيب الشديد.

وتعود بداية القصة، عندما توفيت فتاة شابة عشرينية تدعى إسراء ناصر غريب من بلدة بيت ساحور قضاء بيت لحم، في فلسطين، توقف قلبها إثر تعرضها لنوبة قلبية حادة وهبوط بالدورة الدموية.

إسراء كانت تعمل في مجال التجميل “ميكب أرتيست” محترفة، واتسعت أحلامها وتلونت بألوان قوس قزح، كانت تحلم بأن تصبح إحدى خبيرات التجميل الشهيرات في العالم لولا أن عقلية عقيمة، متربصة أهدرت حقها في الحياة بالأساس

أما الرواية الثانية فقد سردها أصدقاء الفتاة، وتبناها رواد مواقع التواصل الاجتماعي مؤكدين أن القصة لها جذور، بدأت حينما تقدم شاب لأسرتها لخطبتها، ثم خرجت برفقة شقيقتها وبعلم والدتها للتعرف عليه بشكل أوسع بأحد مطاعم المدينة، وقاموا بالتقاط فيديو قصير نشرته عبر حسابها على موقع تبادل الصور والفيديوهات “إنستغرام”، وقامت إحدى قريباتها التي شاهدت الفيديو بإخبار والدها وأشقائها، الذين شعروا بدورهم أن ما فعلته الفتاة بمثابة تحريض شديد على سمعة العائلة بخروجها مع الشاب دون إكمال عقد القران.

إحدى صديقاتها، أكدت أن والد إسراء وأشقاءها ضربوها بشكل مبرح، ورفضوا خطبة الشاب، بزعم أن إتمام الخطبة سينال من شرف العائلة ويحط من كرامتهم، وهذا ما أخبرت به إسراء نفسها قبل الوفاة، ربما أراد القدر انكشاف هذه الجريمة بهذا البوح العفوي. واستنتجت الصديقة أن إسراء قد تكون فارقت الحياة أثناء محاولتها الهرب من العنف الذي تعرضت له حين قفزت من منزلها، لكن ثمة من أوقف قلبها بالاعتداء عليها منذ فترة طويلة، وهذا ما تناقلته وكالات الأنباء.

تلك الفتاة التي احترفت مجال الموضة كخبيرة تجميل وتعمل من منزلها، كانت لها طموحات كبيرة، بمساحة الكون، وعرض الحرية المغتالة في عقول عشت عليها ظلامية الفكر، ونعرات القبلية، المفرغة من مضمونها.

ليست إسراء هي الأولى بالتأكيد، ولن تكون الأخيرة، هي مجرد رقم أعاد للأذهان قضايا عديدة وجرائم شنعاء ارتكبت باسم الشرف، الفتاة في اعتقادي مجرد رقم في قائمة طويلة، هذه الجريمة مازالت ترتكب في صعيد مصر، وبعض البلدان المنتهجة مبدأ النعرات القبلية والفكر السلطوي الأسري المتمثل في ذكور العائلة، المتملك لعقول فتياته، وأجسادهن وأرواحهن، لذا يزهقها بدم بارد وسط صمت مطبق وتواطؤ الأهل والمحيط الاجتماعي في سلوك يشبه النعامة.

21