كم ستكلف لبنان محاولة وضع اليد الإيرانية؟

الجمعة 2013/08/16

لا يمكن اعتبار إيران أوّل من يحاول خطف لبنان وأخذه رهينة. كثيرون حاولوا ذلك قبلها. تبيّن مع الوقت أن لبنان ليس لقمة سائغة وأنه ليس من السهل ابتلاعه. هو أصغر من أن يقسّم وأكبر من أن يبتلع.

من يحتاج إلى دليل على ذلك، يستطيع توجيه سؤال إلى بعض الفلسطينيين الذين اعتقدوا أن في استطاعتهم استخدام لبنان ورقة في لعبة أكبر منهم. كلّ ما استطاع الفلسطينيون المسلّحون، الذين اعتقدوا أنهم أقاموا «جمهورية الفاكهاني»، تحقيقه لبنانياً صبّ عملياً في خدمة النظام السوري الذي أراد بدوره تحويل لبنان إلى محافظة سورية. استخدم النظام السوري الذي أسّسه الراحل حافظ الأسد شعار «شعب واحد في بلدين». تأكّد مع الوقت أن هناك أكثر من شعب، أكان ذلك في سوريا أو في لبنان، وأن من لا يحافظ على البلدين وعلى الحدود بينهما، كي ينصهر السوريون في سوريا واللبنانيون في لبنان، يلعب لعبة تفتيت لبنان وسوريا في الوقت ذاته.

هذا ما يحصل الآن على يد الأسد الابن الذي يقامر بمصير سوريا ويعتقد في الوقت نفسه أنه سيتمكّن، بدعم إيراني مكشوف، أن يجعل من لبنان ورقة تصلح للمساومة مع الكبار من أجل البقاء في السلطة.

لم يدر بشّار الأسد يوماً أن كلّ ما فعله، منذ اليوم الأوّل لخلافة والده يتمثّل في جعل سوريا مستعمرة إيرانية. لم يدرك في أي وقت، بسبب النفوذ الإيراني، النتائج التي يمكن أن تترتب على المشاركة بطريقة أو بأخرى في اغتيال الرئيس الحريري ورفاقه وقبل ذلك في جريمة التمديد لإميل لحود على الرغم من صدور القرار الرقم 1559 عن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة.

كان النظام السوري من الغباء إلى درجة أنّ نائب الرئيس فاروق الشرع صرّح مباشرة بعد صدور القرار 1559 بأنّ سوريا غير معنية بالقرار. بعد الانسحاب السوري من لبنان عسكرياً، في نيسان/ابريل 2005، وهو انسحاب لم يستوعب بشّار الأسد إلى الآن معناه وأبعاده، وصرّح الشرع نفسه بأنّ سوريا نفّذت الجانب المتعلّق بها من القرار.

هذا ما لم تفهمه إيران التي تعتقد أنّ القرار تجاوزه الزمن وأنّ في استطاعتها تجاهله. لم تتوقف إيران التي ورثت الوصاية السورية على لبنان، واعتبرت أن الوطن الصغير صار مستعمرة من مستعمراتها، على غرار سوريا والعراق، عن التصرّف بطريقة تؤكّد أن لديها في لبنان هدفا واحدا وحيداً.

يتلخّص هذا الهدف بوضع يدها على الوطن الصغير من منطلق أنها تمتلك فيه ميليشيا مذهبية تسيطر على جزء من الأراضي اللبنانية، ميليشيا قادرة على فرض إرادتها على اللبنانيين بعدما أصبحت لها أدوات من كلّ الأنواع على رأسها النائب المسيحي ميشال عون وبعض الذين على شاكلته.

لم يكن خطف الطيار التركي ومساعده بعيد مغادرتهما مطار رفيق الحريري سوى تعبير عن مدى التأثير الإيراني، المباشر وغير المباشر، في لبنان وعن الشلل الذي أصاب أجهزة الدولة اللبنانية ومؤسساتها إثر هيمنة حزب مذهبي مسلّح على كلّ مرافق الدولة. يستطيع هذا الحزب حتى تعطيل تشكيل حكومة لبنانية وتدمير ما بقي من مؤسسات الدولة إرضاء لإيران.

هل تستفيد إيران من تجربتي الفلسطينيين والسوريين في لبنان؟

ليس المقصود الشعب الفلسطيني العظيم ولا الشعب السوري البطل الذي يخوض مواجهة لا هوادة فيها من أجل استرجاع كرامته. المقصود هنا قيادات فلسطينية أخطأت العنوان في لبنان ونظام سوري فئوي اعتبر، عن سابق تصوّر وتصميم، الانتصار على لبنان بديلاً عن الانتصار على فلسطين. انكشف النظام السوري في لبنان. كانت إيران المستفيد الأوّل من ذلك، خصوصا أن ميليشيا «حزب الله» سارعت إلى سدّ الفراغ الأمني الناجم عن الانسحاب العسكري السوري. لا شكّ أن إيران تتصرّف، من أجل تكريس وجودها إلى ما لا نهاية في لبنان بطريقة مختلفة تتسم، إلى حدّ كبير، بالدهاء. إنها تعمل على تجويع اللبنانيين وضرب الاقتصاد وأسسه عن طريق عزل البلد عن محيطه العربي. قبل ذلك، وظّفت، منذ ثلاثة عقود وأكثر، مليارات الدولارات في عملية تغيير طبيعة المجتمع الشيعي في الوطن الصغير. كذلك، سعت إلى اختراق الطوائف الأخرى بوسائل وطرق مختلفة. لعلّ أخطر ما تفعله إيران يتمثّل في جعل الاقتصاد اللبناني من النوع الريعي بدل أن يكون اقتصاداً منتجاً. صار لبنانيون في مناطق معيّنة وفي أوساط معروفة يتكلون على الجمعيات الخيرية وعلى تقديمات «حزب الله» وعلى التحايل على مؤسسات الدولة بدل اللجوء إلى الكدّ والعمل والعلم كما يفترض بهم أن يفعلوا.

هل تنجح إيران حيث فشل بعض الفلسطينيين وبعدهم النظام السوري؟ لا يمكن الاستهانة بالتصميم الإيراني وبالأوراق التي تمتلكها طهران، على رأسها المتاجرة بالقضية الفلسطينية ورفع الشعارات الفضفاضة واختراق قسم كبير جدا من أبناء الطائفة الشيعية الكريمة. ولكن لا يمكن الاستهانة أيضا بالمقاومة اللبنانية التي يجسّدها الشعب اللبناني. من كان يصدّق أن المسلحين الفلسطينيين سيغادرون لبنان يوما وأنّ «جمهورية الفاكهاني» لن تكون سوى ذكرى بائسة وحزينة ومؤلمة للبنانيين والفلسطينيين في آن؟ من كان يصدّق أن الجيش السوري سينسحب يوما من لبنان؟

هل تستعيد إيران وعيها قبل فوات الأوان وتتبع مع لبنان سياسة طبيعية، أي سياسة دولة مستقلة تجاه دولة مستقلة أخرى؟

الواضح أن ذلك من سابع المستحيلات في المدى المنظور نظراً إلى أن إيران لا تعتبر نفسها دولة طبيعية. وحده الوقت سيجعلها توقن أن ما عجز عنه كثيرون في لبنان ستعجز عنه بدورها. ولكن سيظل السؤال مرتبطاً بالثمن الذي سيدفعه لبنان واللبنانيون قبل اقتناع إيران بأنّ لبنان سيظلّ عصيّاً عليها. من الأكيد أن هذا الثمن سيكون غالياً، بل غاليا جداً.

8