كم يساوي الحب

الاثنين 2015/04/20

الحاجة خيرية امرأة جميلة تسكن عقارا مليئا بالأطفال توزع عليهم الحب في علاقة إنسانية أشبه بلوحة عطاء رائعة.

الحاجة خيرية كانت يوما ما شابة حسناء تعمل بوزارة خدمية، وزوجة حديثة لم تشأ الطبيعة منحها أبناء من رحمها، ولكن وهبها الله تعالى حب وتعلق أطفال العقار جميعا. كانت تمارس أمومتها المتدفقة في كل لحظة لم يضبطها أحدهم يوما ما متلبسة بـ”الصد” لم تمارس فعل الرفض لأي شكوى على الرغم من كونها غير ملامة إن فعلت لكنها أبدا لم تفعل.

والغريب أن زوجها الشاب الوسيم “حينها” لم يشأ اللهث وراء حلم الأبوة ولم تداعبه كلمة “بابا” وتخطفه من حضن زوجته التي يعشقها بجنون، حتى النداهة المصرية القادمة من صعيدنا الغارق في مقولته الشهيرة “الأولاد عزوة” لم تفلح في تكدير صفو عيشهما حين أشهر والد الزوج أسلحته وبدأ حربا شرسة لتزويج ابنه بأخرى “ولود” تحقق له حلم التمدد عبر الزمن، أطلق الزوج كذبة قد تنتقص من رجولته عند أبيه الصعيدي ولكنها حافظت على حياة زوجية هادئة، حين استعار تهمة عدم الإنجاب لنفسه.

تعلما الحب معا ومارساه تجاه الجميع، تركها زوجها في منتصف الرحلة وسافر بعيدا لعالم الخلود برداء أبيض كقلبه النابض بالحنان.

واصلت خيرية رحلتها وحدها دون ضجر، تنتظر الصغار صباحا بالشطائر الساخنة والحلوى، وتوصلهم لعربة المدرسة، أعطت الجميع دروسا مجانية، بل كانت تدفع لنا في الأعياد وجميع مناسباتنا الخاصة، في الصباح تفتح باب شقتها لتوديع الصغار، وبعد الظهيرة تنتظر العائدين بعيون ضاحكة وقلب لا يعرف الملل.

تصطحب الصغار في سيارتها الخاصة إلى مدارسهم، تقص الحكايات الجميلة وتعلمنا بالحكي كيف نواجه الحياة، تعطي بسخاء ولا تنتظر شيئا، كانت خيرية بحق.

فكرت كثيرا… هل لكل إنسان نصيب من اسمه يتشكل دون وعي أو اتفاق يتلون في وجداننا يخرج من تحت جلودنا فيحرك بوصلة مشاعرنا؟ هل تتصرف “ماما خيرية” كما تحب أن تنادى، بالجزء النامي في وجدانها؟ بحثت عن معنى اسمها فوجدتها تتشكل أمامي تخرج لي من المعجم بملامحها وهيئتها فهي المحبة للعطاء، ومساندة الفقراء، السخية، الكريمة، الخيرة، الفاضلة في كل شيء.

كانت بعض النساء تقول هي اسم على مسمى، كن يرغبن في تقليدها ومحاكاة أفعالها دون جدوى، دائما ما يقنعن أنفسهن بعدم القدرة على ذلك مبررات العجز بالكثير من الحجج، متكئات على الرفض الداخلي للخير، غيورات من خير خيرية.

ولكن وحدها هي من تقدم الخير وتساند الجميع دون أن تشغل بالها بمبررات وفلسفات وتواتر أفكار قد تشغلها عن تقديم يد العون للمحتاج، ومؤازرة الضعيف.

كان لابد لنا أن نتزوج فتزوجنا، وكان لابد لنا أن ننجب فأنجبنا، اضطرت الحياة الكثير منا إلى البعد المكاني ولكننا أبدا لم نترك حضنها الدافئ، أذكر كيف تعلمت التعامل مع التكنولوجيا فقط لتتواصل معنا، وكانت تحمد الله تعالى على عدم الإنجاب حتى لا تستبدل ولدا واحدا بهذا الكم الهائل من الأبناء الذين تدعوهم ثروتها.

منذ أيام ماتت “ماما خيرية” تاركة لنا غصة في القلب، ولوعة كبيرة ورصيدا من الحكايات علمنا كيف نواجه الحياة بالحب.

وجاء بعض من أقاربها لم نرهم من قبل ليلملموا ما تبقى من أموال المرأة وثروتها، عرضوا شقتها الراقية للبيع ووقفوا يكبسون أزرار هواتفهم المحمولة يحسبون بلغة الأرقام كم تساوي المرأة في دنيا الحسابات، ونحسب نحن كم تساوي ثروتنا من الحب.

21