كم يشبهني!.. وكم نختلف!

الأربعاء 2017/04/26

كانت تحدثني عن ذلك التشابه الرهيب بينها وبينه.. ولكنها استدركتْ فجأة لتقول بعصبية “ولكن لماذا نختلف إلى هذا الحد؟”.. فاُجيبها بأنني لست طبيبة نفسية أو عالمة اجتماع لاُسهب في تحليل أسباب الإختلاف والتوافق ما بينهما.. ولن أزعم معرفتي بقراءة الطالع أو أدعي أنني ضليعة بالأبراج ومدى توافقها واختلافها بينهما.. لكنني أعلم شيئا واحدا بسيطا قد يفسر ما يجري دون شرح كثير.. وهو أنه لا يوجد في هذه الدنيا اثنان متشابهان تماما.. فكما أن لا بصمة إبهام تشبه سواها فلا شخص يشبه سواه حتى وإن كانا توأمين متماثلين.. فكيف برجل وامرأة يلتقيان عرضا ذات حب أو ذات صداقة؟

نحن في الواقع نبحث عن تشابهات تجذبنا أو تقربنا من الآخر لنفهمه أو ليفهمنا.. ونسعى دائما إلى تقريب وجهات النظر بدافع الحب.. أو من أجل تبرير الحب ربما.. فالعاطفة وحدها لا تكفي لتبني علاقة سوية متوازنة بين اثنين.. لأنها قد تخلص لأن تكون رغبة عابرة لا علاقة لها بمستوى التفكير وأسلوب الحياة.. وقد تنتهي عند أول خلاف في وجهات النظر..

ويحدث أحيانا أن يكون الإحساس بالتطابق هائلا حين يجمع اثنين بعيدا عن دائرة المجتمع والناس.. وما إن يظهرا معا في الأماكن العامة أو يجمعهما لقاء بآخرين.. حتى تظهر الاختلافات على السطح.. وتبدأ الهوة بينهما تكشر عن أنياب اتساعها بطريقة قد تفاجئ الطرفين معا..

ولذلك السبب أيضا نجد الكثير من العلاقات في عالمنا العربي تبقى جميلة متألقة لا تشوبها المعكرات حتى يحين أوان الارتباط الرسمي.. وعندئذ تبدأ الصدمات والمفاجآت لتربك العلاقة.. وقد يذهب البعض إلى تفسير الأمر على أنه خرج من إطار السرية المثيرة ليدخل في إطار العلن الممل.. لكن ذلك لن يكون بحال هو السبب الأهم في بروز الخلافات.. وإنما اضطرار الشريكين إلى الخوض في غمار الواقع والتعامل اليومي بعيدا عن سلطة العاطفة المحض وبعيدا عن تفاصيل الحب والرومانسية.. فتبدو ردود الأفعال والتصرفات وطبيعة التعامل مع الأحداث اليومية بشكل مغاير ربما عن التوقع.. فكلا العاشقان يرسم صورة لنفسه وللآخر بطريقته الخاصة.. ومهما كان الحديث بينهما فضفاضا تفصيليا لن يعكس صورة الواقع الحقيقية لحياة كل منهما..

وهنا نستطيع أن ندرج أيضا فشل الكثير من العلاقات التي نمت وتشكّلتْ عبر شبكات التواصل.. فذلك العالم يبقى افتراضيا مهما بدت واقعيته ناصعة واضحة.. ونحن إزاءه أيضا نفترض أشياء لا وجود لها في الآخر الذي نتمنى أن يكون شبيها لنا في آرائه وتصرفاته وأسلوب حياته والبيئة التي عاش وتربى فيها.. وننسى دائما أو نتناسى أنه مهما كانت المشتركات دامغة والاهتمامات متوافقة ومهما كان أسلوب التعامل واحدا إلا أننا في النهاية مختلفون.. ولا يمكننا أن نفترض في الآخر أو أن نفرض عليه ما نشاء.. فالآخر هو “آخر” وهو ليس “نحن” بحال!

بيد أن الفكرة الأحلى هي أن مفهوم الاختلاف بحد ذاته قد يشكل أحيانا عاملا مهما في إذكاء العاطفة وكسر قوالب الملل الجاهزة وكليشيهات التوقع! وقد يكون السبب الأهم في نجاح العلاقة التي يدعمها طرفان يحرصان على إيجاد المنطقة المحايدة التي تجمع الأضداد..

صباحكم اختلاف لذيذ..

شاعرة عراقية مقيمة في لندن

21