كنائس زائدة عن الحاجة.. هل الفاتيكان أمام حتمية التكيف مع المتغيرات

الكنائس الزائدة عن الحاجة يعتبرها البعض ظاهرة تحمل دلالات على فقدان الدين لأهميته في المجتمعات الغربية.
الأربعاء 2018/12/05
في الماضي مكان عبادة والآن ملعب تنس

ميلانو (إيطاليا) - في وقت صار فيه الأوروبيون أقل تدينا على نحو متنام، حيث تزداد المقاعد الخاوية في الكنائس، يواجه الفاتيكان سؤالا صعبا: ما الذي يجب القيام به في أماكن العبادة التي لم تعد مستخدمة؟

وتقدم مدينة ميلانو شمالي إيطاليا عددا من الإجابات، رغم أن بعضها قد لا يروق تماما للذوق البابوي: فقد تحولت إحدى الكنائس إلى أستوديو معماري ومكان للفن المعاصر، بينما تحول البعض الآخر إلى حانات أو مراقص. وقال كارلو كابوني، وهو مهندس معماري مسؤول عن إدارة التراث الثقافي بأبرشية ميلانو، لوكالة الأنباء الألمانية “بالتأكيد، إنه أمر مؤلم رؤية الجعة والخمور يتم تقديمها على ما كان يستخدم مذبحا”.

ويشير كابوني بذلك إلى مقهى “جاتوباردو”، وهو ملهى ليلي مفتوح داخل مبنى كنيسة سابقة تم إلغاء تكريسها للعبادة في سبعينات القرن الماضي. وهناك مثال آخر هو حانة “لا شيزيتا” التي فتحت داخل مبنى كنيسة سابقة يعود تاريخها إلى أواخر القرن الثامن عشر.

ويقول مدير الحانة دافيدي “نعم، ربما يتهمنا البعض بالتجديف، ولكن إذا نظرت إلى (دليل) تريب أدفايزور، فإننا مصنفون في المرتبة الأولى (للحياة الليلية في ميلانو)، لذا فإن المكان يحظى بشعبية”.

وتقدم الحانة لروادها المقامرين مجموعة متنوعة من المشروبات، بما في ذلك مشروبات فواكه منوعة (كوكتيل) تحمل أسماء ذات طابع ديني مثل “بيلغريم” (زائر الأماكن المقدسة) أو “كاردينال” أو “هولي ووتر” (المياه المقدسة). واستخدمت “لا شيزيتا” في السابق كمستودع، وكمحطة إسعافات أولية في زمن الحرب، وكنيسة مورمونية، وكمعمل لتطوير الأفلام، حسبما يقول دافيدي. وهي مزينة حاليا بجدارية دينية مقلدة تعود إلى تسعينات القرن الماضي.

وفي حي آخر في ميلانو، قام “سي.إل.أس أركتيتي”، وهو أحد أستوديوهات التصميم الرائدة، بتحويل “سان باولو كونفيرسو”، وهي كنيسة ودير سابق يعود تاريخه إلى القرن السادس عشر وتزينها جداريات كثيرة، إلى مقر رئيسي له، ومركز معارض. ويتضمن المبنى تاريخا ثريا بالألوان: ففي خمسينات القرن الماضي، تم استغلاله كأستوديو تسجيل لنجمة الأوبرا ماريا كالاس، ثم استخدم لاحقا لإقامة عروض أزياء ومزادات فنية. وفي العام الماضي، قام الفنان الأميركي أسعد رضا بتحويل جزء من المبنى إلى ملعب تنس.

ويود الكاردينال جيانفرانكو رافاسي، وهو وزير ثقافة بابا الفاتيكان، أن يرى تحويلات أكثر رصانة. وفي يوليو، قال رافاسي إن أفضل استخدام لكنيسة لم تعد مكانا للعبادة هو تحويلها إلى مركز مجتمعي أو قاعة مؤتمرات أو متحف محلي.

وقال رافاسي “سيكون من الأفضل إذا بقيت بين المجتمع كرمز لقيمة روحية أو ثقافية أو اجتماعية”، وأوضح أنه خلاف ذلك، يجب تجريد الكنائس السابقة من جميع الرموز الدينية “وتركها مجردة قدر الإمكان” قبل أن يتم استخدامها لأغراض تجارية.

القانون الكنسي يسمح للأساقفة بتخفيض رتبة الأماكن التي لم تعد تستخدم للعبادة الدينية “إلى الاستخدام العلماني وليس المتدني

وأضاف الكاردينال أن هناك حالات يمكن أن يكون فيها من المنطقي هدم كنيسة سابقة، لكن هذا خيار بالنسبة لأميركا الشمالية أكثر منه لأوروبا، حيث إن المباني الدينية في أنحاء القارة الأوروبية عادة ما تمثل قيمة تاريخية.

واستضاف رافاسي مؤتمرا في أواخر نوفمبر الماضي في العاصمة الإيطالية روما بهدف أخذ مشورة الخبراء قبل صياغة إرشادات جديدة من الفاتيكان للأساقفة الذين يتعاملون مع المباني الدينية الزائدة عن الحاجة.

وقال البابا فرنسيس في رسالة للمؤتمر “إدراك أن العديد من الكنائس التي كانت هناك قبل بضع سنوات لم تعد هناك حاجة إليها… يجب أن تقبله الكنيسة، دون قلق، وكإشارة إلى (طبيعة) العصر، تدعونا إلى التأمل والتكيف”.

ويسمح القانون الكنسي للأساقفة بتخفيض رتبة الأماكن التي لم تعد تستخدم للعبادة الدينية “إلى الاستخدام العلماني وليس المتدني”. وبمجرد اتخاذ هذه الخطوة، تفقد الكنيسة وضعها كمكان مقدس وتفقد السلطات الدينية السيطرة عليها.

وتتعلق مشكلة الكنائس غير المستخدمة في معظمها بأوروبا وأستراليا وأميركا الشمالية. ففي ألمانيا، تم إغلاق أكثر من 500 كنيسة كاثوليكية منذ عام 2000، بينما في هولندا، من المتوقع أن يتم إغلاق أكثر من 500 كنيسة خلال العقد المقبل.

وفي إيطاليا، من الشائع أن يتم إقراض الكنائس الكاثوليكية غير النشطة لكنائس أخرى. ففي ميلانو أو روما، على سبيل المثال، تستخدم العديد من هذه الكنائس من قبل الجاليات المسيحية الأرثوذكسية من أوروبا الشرقية أو مصر أو إثيوبيا.

ويقول لوكا ديوتاليفي، أستاذ علم الاجتماع بجامعة “روما تري” إن ظاهرة الكنائس المهجورة “واسعة النطاق، وموزعة بشكل غير متساو وقادرة على توليد الكثير من مظاهر الصراع الاجتماعي”.

ولكنه اعترض على أن الظاهرة تعكس “فقدان الدين لأهميته في المجتمعات الغربية”، مشيرا إلى أنه على العكس من ذلك، فإن المدن الكبيرة تشهد “طفرة دينية” مرتبطة بتدفق المزيد من المهاجرين المتدينين، ووجود أزمة في القيم العلمانية.

وقال رافاسي، الذي يرأس المجلس البابوي للثقافة، إن قبول حقيقة أن عدد المباني الدينية “يفوق الاحتياج الحالي لأتباع الكنيسة” يجب أن يقود الكنيسة الكاثوليكية إلى إعادة النظر في وجودها في المجتمعات الغربية.

وقال “علينا أن ندرك أننا في وضع أقلية”، مشيرا إلى إحصاءات من مدينة بيلباو الإسبانية “التي لم يتم تعميد سوى 34 بالمئة من أطفالها”.

13