"كنا أمس" مسلسل إماراتي عن صراع الحقد والمغفرة

دراما اجتماعية تغوص عميقا في سوءات النفس البشرية وتعقيداتها.
السبت 2020/12/19
تناول جريء لتعقيدات المجتمعات الاستهلاكية

من الأعمال الدرامية الخليجية المُميزة التي عرضت خلال الموسم الشتوي الحالي ولاقت استحسان المُشاهد الخليجي يبرز المسلسل الإماراتي المصري المشترك “كنا أمس”، وهو عمل درامي يكشف عبر حلقاته المنفصلة عورات النفس البشرية وتعقيداتها.

يُبرز التعاون الحاصل بين الكاتب الإماراتي يوسف إبراهيم والمخرج المصري محمد جمعة عبر المسلسل الإماراتي “كنا أمس”، ما يمكن أن يتيحه أي تعاون عربي مشترك من رؤى مختلفة خارج السياق التقليدي للدراما الخليجية.

كما ينعكس هذا الأمر في سياق العمل على نحو ملموس بحضور عدد من الشخصيات المصرية في المسلسل، ومن هنا يمكن اعتباره عملا مشتركا، وإن كان إماراتيا من جهة الإنتاج.

ويُعدّ “كنا أمس” باكورة إنتاج شركة “الكوت” الإماراتية، وهو ينطوي على جهد واضح واهتمام ملحوظ، ويعكس رغبة الشركة الجديدة في العمل على مسارات درامية مختلفة عن السياق السائد خليجيا، وعلى الرغم من أن العمل لم يخلُ أيضا من لغة الوعظ والإرشاد التي تميز الإنتاج الإماراتي والخليجي على نحو عام، إلّا أن هذا المنحى قد عولج هنا على نحو غير مباشر، ما خفّف من وطأة هذه اللغة بعض الشيء.

حكايات منفصلة

مسلسل يسرد عشر حكايات منفصلة متصلة، تتكوّن كل حكاية من ثلاث حلقات، ولكل حكاية أبطالها وأحداثها الخاصة
مسلسل يسرد عشر حكايات منفصلة متصلة، ولكل حكاية أبطالها وأحداثها الخاصة

تشارك في مسلسل “كنا أمس” الذي امتدت حلقاته إلى ثلاثين حلقة، نخبة من نجوم الدراما الإماراتية والخليجية والمصرية، من بينهم الفنانة انتصار الشراح وخالد أمين وميساء مغربي ولطيفة المجرن وفهد البناي وحسين المهدي ومحمد العلوي وشيماء سبت وأبرار سبت وهدى الغانم ودانا آل سالم وآلاء شاكر وأحمد عبدالرازق ويوسف الكعبي ونور محمد ورانيا شهاب، بالإضافة إلى مجموعة متنوعة من الوجوه الجديدة.

ولعل حضور هذا العدد الكبير من الفنانين في العمل مبعثه طبيعة المسلسل نفسه، الذي يسرد عشر حكايات منفصلة عن بعضها، تتكوّن كل حكاية من ثلاث حلقات، لكل حكاية منها أبطالها ونجومها.

ويسلط المسلسل الضوء على عدد من القضايا الاجتماعية، غير أن المعالجة الدرامية هنا اتسمت بالكثير من الإثارة والتشويق، وهو أمر لا تخلو منه أعمال المخرج محمد جمعة، والذي سبق أن قدّم عددا من الأعمال الدرامية المصرية القريبة من هذه الأجواء، مثل “أرض جو” و”الخانكة” و”الشريط الأحمر” و”أحلام حقيقية”، وكلها أعمال لاقت نجاحا ملحوظا عند عرضها.

ومسلسل “كنا أمس” تم تصويره بالكامل في الإمارات أثناء فترة الإغلاق بسبب وباء كورونا، والكثير ممّن شاركوا فيه اضطرتهم الظروف الطارئة إلى البقاء في الإمارات، ولهذا يمكن وصف المسلسل بأنه عمل من رحم الأزمة.

وتنوّعت عناوين الحكايات التي يضمها المسلسل بين “هاشتاغ” و”تُطبق الشروط والأحكام” و”الصمت هو الصراخ” و”صوت السهارى”، مرورا بـ”حظر تجوّل” و”قهوة بوجهين” و”طريق الماضي”، وصولا إلى “روح ليلى” و”ذيب” و”اسمي إبراهيم”، ولكل حكاية من هذه الحكايات العشر سياقها الخاص، والتي يتم خلالها تسليط الضوء على جانب مختلف من جوانب الحياة الاجتماعية والإنسانية.

تُطالعنا الحكاية الأولى مثلا، وهي تحت عنوان “هاشتاغ” بما يحدث في عالم التواصل الاجتماعي ونجومه. تفضح الأحداث على نحو مباشر ومأساوي الأساليب الملتوية التي يمارسها هؤلاء النجوم من أجل زيادة الانتشار وجمع المعجبين والمتابعين.

حكايات المسلسل تشمل إشارات حول الاضطرابات النفسية التي يواجهها البعض بسبب قناعاتهم الأخلاقية والاجتماعية

وتدور الحكاية حول زوجين من نجوم وسائل التواصل الاجتماعي، وهما خالد ورباب، اللذان يؤدّي دورهما كل من حسين مهدي ودانا آل سالم. يبثّ الزوجان على نحو يومي العشرات من مقاطع الفيديو، التي يستعرضان من خلالها حياتهما الخاصة وجولاتهما وعلاقاتهما الاجتماعية، كما يروّجان فيها أيضا للعديد من البضائع والمنتجات التجارية، وهما يتعاملان مع الأمر كوسيلة سهلة للتربّح.

ومن بين أبرز المعجبين بهما والمتابعين لهما يأتي الشاب محمد الذي يؤدّي دوره الفنان عمر الملا، وهو طالب في المرحلة الثانوية، يحلم باليوم الذي يحقّق فيه الشهرة والانتشار مثلهما.

يُعجب الشاب بالزوجين إلى درجة الهوس وإلى الحد الذي يدفعه لنشر مقاطع فيديو مشابهة كمحاولة منه للانتشار مثلهما، وحين يفشل في ذلك، يلجأ إلى طريقة أكثر إثارة، فيتّفق مع أحد زملائه أن يصوّره وهو يقود سيارته بسرعة جنونية، لكنه يتسبب في مقتل أحد زملائه ويحكم عليه بالسجن لعشر سنوات.

حين ينتهي الشاب من فترة عقوبته يقرّر الانتقام من الزوجين، فيقتحم بيتهما ويهدّد الزوجة بقتل طفلتها الصغيرة، كما يرغمها على بثّ هذا الاعتداء على الهواء. غير أننا نفاجأ في آخر الحلقة بأن هذا الاعتداء تم الترتيب له باتفاق بين الزوج والشاب محمد، من أجل زيادة التشويق والحصول على معجبين أكثر.

طرح صادم

علاقات شائكة تحكمها المصالح الذاتية
علاقات شائكة تحكمها المصالح الذاتية

أغلب الحكايات التي يضمّها المسلسل تشمل إشارات حول الاضطرابات النفسية والأزمات الاجتماعية التي يواجهها البعض بسبب قناعاتهم الأخلاقية والاجتماعية. ففي قصة “صوت السهارى” يُقدم شقيق المطربة عاليا على قتلها لمجرد أنها احترفت الغناء، فهو يعتبر ظهورها على الفضائيات والغناء أمام الجمهور أمر شائن بالنسبة إليه.

من الحكايات اللافتة أيضا تبرز حلقات “تُطبق الشروط والأحكام” وهي تدور حول الطالب عمر الذي يعاني من تنمّر زملائه بالمدرسة وتوبيخ زوج أمه المستمر له، فيلجأ عقله الباطن إلى ابتكار شخصية وهمية تساعده على الانتقام ممّن سببوا له الأذى، فيخطّط لمقتل اثنين من زملائه، كما يكون السبب أيضا في مقتل زوج أمه، وحين يتم التضييق عليه في النهاية، يأمره الصوت الذي يتردّد في عقله بالانتحار.

الفنانة رانيا شهاب جسّدت خلال حلقات "الصمت هو الصراخ" دور ممرضة تقوم بأعمال مشبوهة، يذهب ضحيتها الكثيرون
الفنانة رانيا شهاب جسّدت خلال حلقات "الصمت هو الصراخ" دور ممرضة تقوم بأعمال مشبوهة، يذهب ضحيتها الكثيرون

أما حلقات “قهوة بوجهين” فهي تدور حول الشقيقتين التوأم سهيلة ومهيلة، اللتين تلتقيان بالشاب طلال وتعجبان به، غير أن سهيلة تُصدم حين يتقدّم الشاب لخطبة شقيقتها، فتقرّر التخلص منها وانتحال شخصيتها.

ويعدّ اختيار الشركة المنتجة للعمل بأن تكون حلقاته منفصلة اختيارا موفقا حتى ترسخ قصص تلك الحلقات بعقل المشاهد دون عناء، وهي التي تنتصر في نهاية كل حلقاتها لقيم التسامح مبرزة قدرة الإنسان على المغفرة وإمكانية منح فرصة ثانية لكل من أخطأ في حقه.

من الوجوه الجديدة في هذا المسلسل تبرز الفنانة المصرية المقيمة في الكويت رانيا شهاب، وهي فنانة مُقلّة في أعمالها الدرامية إلّا أن حضورها يبدو مؤثرا في الأعمال التي تشارك فيها لقدرتها على تقمّص الشخصية التي تؤدّيها.

وتشارك شهاب في هذا المسلسل من خلال حلقات “الصمت هو الصراخ” مع خالد أمين وشيماء سبت، وتجسّد خلاله دور ممرضة تقوم بأعمال مشبوهة يذهب ضحيتها الكثيرون.

وتبرز كذلك الفنانة نور محمد، وهي فنانة صاعدة قدّمت ما يزيد عن عشرة أعمال درامية مع كبار النجوم منذ دخولها عالم التمثيل قبل أربع سنوات فقط. ومن أحدث الأعمال التي قدّمتها يأتي المسلسل الكويتي “شغف” الذي عرض في رمضان الماضي، كما تشارك حاليا في تصوير مسلسل “بيت بيوت”، وهي ممثلة ومغنية كويتية بدأت حياتها العملية في مجال المسرح، وتؤدّي في هذا المسلسل دور عاليا في حلقات “صوت السهارى”.

15