كنا معا في كاتالونيا

الأحد 2016/11/06

ونحن نتابع الأسبوع الماضي مباراة دوري الأبطال الأوروبية بين مانشستر سيتي وبرشلونة والتي فاز خلالها الفريق الإنكليزي بثلاثية كاملة مقابل هدف وحيد سجله ميسي، عادت الذاكرة قليلا إلى الوراء وتحديدا إلى بداية العصر الذهبي الأخير لنادي برشلونة التي بدأت فعليا أواخر العام 2007.

سر هذه الدعوة إلى العودة سنوات إلى حقبة مهمة من تاريخ النادي الكاتالوني كان مرده الأساسي هو المواجهة الجديدة التي جمعت بين الأستاذ والتلميذ، بين المدرب ولاعبه السابق، أي بين بيب غوارديولا وليونيل ميسي، ففي هذه المرة كسب المدرب “المعركة” بعد أن تحدى ميسي “الخارق” وتغلب عليه في مباراة بدت خلالها المقارنة بين مدرب ولاعب غير مقبولة، بيد أن التاريخ المشترك والصعود المتوازي للطرفين دفع إلى العودة إلى البدايات وعقد هذه المقارنة، خاصة وأنهما كانا في الأمس القريب أبرز المساهمين في صنع مجد برشلونة في العصر الذهبي الحديث.

ومع ذلك، يبقى السؤال هو: من صنع من؟ ومن كان له تأثير أكبر على الآخر لتحديد مسيرة كل منهما؟

ربما تبدو الإجابة منذ الوهلة الأولى هي أن ميسي هو صاحب الفضل على مدربه، فعبقرية “البرغوث” الأرجنتيني ومهاراته العالية للغاية زادت النادي الكاتالوني قوة وصلابة فقاده إلى الألقاب والبطولات والمجد، ومن الطبيعي أن ينال تبعا لذلك غوارديولا المدرب نصيبه من النجاح في أول تجربة تدريبية له.

يمكن القول أيضا إن وجود ميسي مع أيّ فريق وتحت إمرة أيّ مدرب هو طموح وحلم الجميع، فمن لا يتمنى أن يضم فريقه أو منتخب بلاده لاعبا بمثل موهبة وبراعة ميسي القادر لوحده على قلب المعطيات وتغيير مسار أيّ مباراة؟

ميسي العبقري يبدو منذ الوهلة مثل ذلك الطير “الصيّاد” الذي يحصد الجوائز ويمنح من معه من لاعبين ومدربين جانبا كبيرا من هذه النجاحات، وكل من مرّ ببرشلونة يعترف بهذا الأمر، لأن وجود “فلتة زمانه” كفيل بتغيير كل المعطيات ويمنح الفريق قوة لا تضاهى.

فمع ميسي نجح المدرب الراحل تيتو فيلانوفا ونجح الأرجنتيني تاتا (جيراردو) مارتينو قبل أن ينجح الآن المدرب الأسباني لويس إنريكي ويحقق العديد من البطولات مع الفريق الكاتالوني، لكن قبل كل هؤلاء نجح غوارديولا وعانق قمة المجد في تجربته التدريبية الأولى، بل وحقق ذات موسم ستة ألقاب بالتمام والكمال كان خلالها الفضل الأول لذلك اللاعب الأرجنيتي ليونيل ميسي.

وفي المقابل، هل يمكن أن نسحب تألق غوارديولا في تجربته التدريبية مع برشلونة زمن البدايات لوجود ميسي فحسب، ألا يمكن القول إن ميسي هو بالأساس من صنع غوارديولا؟

قبل الخوض في تفاصيل بداية رحلة ميسي ومعه غوارديولا مع برشلونة من الممكن القول إن غوارديولا حاول تحدي نفسه وقبول خوض مغامرة بعيدا عن أسوار كاتالونيا الذي “يتسيّدها” ميسي، فذهب إلى بافاريا الألمانية لتدريب بايرن ميونيخ، فحقق البعض من الإنجازات التي تحسب له بما أن البايرن واصل معه فرض سيطرته المحلية وتوج بأغلب الألقاب في ألمانيا، لكنه لم ينجح في التتويج مجددا بلقب أمجد الكؤوس الأوروبية أي دوري الأبطال.

غوارديولا أراد خوض تحدّ جديد فذهب مطلع الموسم الحالي إلى إنكلترا لقيادة مانشستر سيتي والنتائج تبدو إلى حد الآن مقبولة ومرضية إلى حد بعيد، بما أن الفريق ينافس بشراسة على لقب الدوري المحلي، وفي دوري الأبطال فقد وضع الفريق معه قدما في الدور الثاني بعد أن ردّ الدين لبرشلونة بقيادة ميسي وفاز عليه “بالثلاثة”.

وقبل كل ذلك، فبالعودة إلى انطلاقة غوارديولا في عالم التدريب، نكتشف أنه نجح في استغلال الفرصة “الذهبية” التي أتيحت له بتولي منصب المدرب الأول لبرشلونة، حيث كانت له أهداف ومخططات وأفكار جديدة أيضا، وكان لديه عصفورا نادرا “يبيض الذهب” ولم يستغلّ جيدا قبل قدومه، إنه ميسي ببساطة.

عندما تولى غوارديولا المهمة في برشلونة لم يكن يفكر في شيء سوى بسط زربية مفروشة بالورود أمام ميسي الذي مازال حينها يتحسس خطواته الأولى مع الفريق الأول، وأول ما قام به هو إخراج رونالدينهو من حساباته، رغم أن اللاعب البرازيلي كان حينها النجم الأول والأوحد في الفريق وملهمه وقائده، لكن مع غوارديولا كلّ شيء يهون من أجل فسح المجال أمام عصفوره النادر، فمنحه كل الصلاحيات فوق الملعب وجعله محور لعب برشلونة والمدار الذي يدور في فلكه بقية اللاعبين.

لقد قدمه لكل العالم المنبهر حينها ببزوغ نجم ميسي “الظاهرة” المنفردة منذ سنوات، نجح معها أيّما نجاح وتوصل غوارديولا بفضله إلى الوصول إلى قمة المجد في عالم التدريب، خاصة وأنه شكّل فريقا مهابا لا يقهر ميزته الأولى هي وجود ميسي مع الاعتماد على أسلوب لعب رائع يرتكز على تبادل الكرة بسرعة رهيبة وفي مساحات صغيرة، وهذا ما يتقنه ميسي الذي ظهر مع غوارديولا في أفضل صورة.

الصورة لم تكتمل بعد، لكن بعض تفاصيلها الجديدة ظهرت بعد مباراة السيتي وبرشلونة الأخيرة عندما تصافح “الصديقان”، وكأن كلاّ منهما يقول للآخر “كنّا معا في كاتالونيا”.

كاتب صحافي تونسي

23