كنا نلعب

الخميس 2015/04/23

مرحبا، هنا المغرب الأقصى، أقصى الغروب في العوالم القديمة، وأقصى الفتح الإسلامي، على ضفاف المحيط الأطلسي والذي كان يصطلح عليه الأوروبيون باسم بحر الظلمات، على الأرجح بشاطئ مدينة آسفي كما يظنّ المؤرخون، أمام مشهد الأمواج العاتية والرياح القوية حيث يمرح اليوم هواة ركوب الأمواج.

لكن، قبل قرون طويلة، هنا، وقف موسى بن نصير – كما تروي أساطيرنا- وأشهر سيفه صائحا “يا رب، لولا هذا البحر المحيط لمضيت في البلاد مجاهدا في سبيلك، مدافعا عن دينك، ومقاتلا من كفر بك، وعبد غيرك” (يا للهول !). هذا الكلام المجلجل لا زلت أحفظه من مسرحية شاركت فيها ولم يكن عمري تجاوز الخامسة عشر عاما: يُرفع الستار، تضاء الخشبة، فأخرج من الكواليس متقدما نحو الجمهور بأنفة وكبرياء مرتديا بردة وعمامة، شاهرا سيفا ورقيا ومرددا تلك الصيحة العجيبة التي أطلقها موسى بن نصير.

وبفعل قوة الإنارة المسلطة على الخشبة كنت أواجه جمهورا غارقا في قاعة مظلمة، كأني واقف أمام بحر الظلمات بالفعل.

وما أن أكملتُ العبارة حتى هاجت التصفيقات كأنما أمواج البحر بدأت تتلاطم فجأة في ليلة ظلماء. بقيتُ لسنوات معجبا بشخصية البطل التي كادت تطبع مزاجي خلال فترة المراهقة، لا سيما بعد أن فازت تلك المسرحية بإحدى أهم الجوائز الوطنية.

المفارقة أن مخرج المسرحية كان مناضلا في حزب اشتراكي، وكان كاتب المسرحية أستاذا للفلسفة ومناضلا يساريا، وكان الجميع في غفلة من الجميع يفرش البساط الأحمر أمام عودة المكبوت الجهادي.

نعم، كنا نلعب، نمزح، نلهو بالكلمات والأشياء، لكن بالنسبة إلى اللاوعي الجمعي ليس ثمة أكثر جدية من اللعب.

واليوم، بعد أن تغوّل الجهاد على حين غرة، وأصبح ذلك السيف الورقي سيفا فولاذيا قاطعا للرؤوس، بدأنا نصرخ ملأ أفواهنا: من أين جاء هذا؟ يا ويحنا سيف المزاح نحن صنعناه، بالورق أولا، بالكارتون أولا، لكن نسينا هذا، وحده السيف من يرسم الحد بين الجد واللعب كما قال الشاعر العربي.

24