كنت شاهدا على الانتحار

الفكرة القائلة بأننا نختار الموت على الألم، هو أمر أساسي لتفكيرنا السائد بشأن الانتحار، كما لو أن جزءا منا موجود خارج المرض، غير متأثر، يتعامل مع الموقف ويجعله عقلانيا.
الاثنين 2021/11/08
الانتحار ليس غامضا كالموت نفسه

استعدت ذاكراتي بكوني شاهدا على عملية انتحار! مع قراءة عرض ملفت لكتاب جديد سرد فيه أحد الناجين من الانتحار حالة "الموت الأبدي".

يجادل دونالد أنتريم وهو كاتب قصة أميركي ينشر في أشهر المطبوعات، يبلغ حاليا من العمر 62 عاما، بأن الانتحار عملية مرضية وليست فعلا أو اختيارا، وهو يعرض لنا تجربته عند الإقدام على الانتحار عام 2016. في كتاب صدر مؤخرا بعنوان “جمعة واحدة في أبريل”.

كان عليّ وأنا أقرأ هذا التفسير أن أعود إلى تلك القصة التي لا زلت أتذكر تفاصيلها قبل 38 عاما، في لحظة فارقة مما مرّ في حياتي.

عندما رمى زميل لي في المدرسة الثانوية نفسه تحت شاحنة كبيرة مقدما على الانتحار.

كانت السماء حاضرة لحظتها لإنقاذ هذا الطالب الذي لم يمسّه ضرر، فيما سائق الشاحنة نزل مذهولا، بينما لم يفارقني الذهول بعدها لأيام، ليس من مشهد الانتحار الذي مر أمامي، بل من التفسيرات الغبية التي دفعت زميلي إلى الانتحار!

شهادة حميمية من شخص عانى من مرض يكتنفه الصمت والعار والخطيئة
شهادة حميمية من شخص عانى من مرض يكتنفه الصمت والعار والخطيئة

أما عند أنتريم، فليس الاعتراف وحده مثيرا للإعجاب، بل طريقة الكتابة القاسية لتجربة أقسى في هذا الكتاب الذي لا يستطيع إلا الشجعان من الكتّاب الإقدام على كتابته.

أنتريم ليس طبيبا نفسيا، والكتاب ليس دراسة تجريبية. بل هي شهادة حميمية من شخص عانى من مرض يكتنفه الصمت والعار والخطيئة. يتحدث في "جمعة واحدة في أبريل" مع السلطة الأخلاقية للناجي عندما يصف أصل الانتحار في "الصدمة والعزلة"، أو عندما يكتب عن كيفية انتشار المرض العقلي في ظل ظروف الوحدة. يتساءل “هل أنا مريض لأني مريض أم أنا مريض لأنني لم أتأثر بالمرض؟”.

ويفسر إقدامه على الانتحار دون أن يتحدث كثيرا عن نجاته، بأن الفكرة القائلة بأننا نختار الموت على الألم، هو أمر أساسي لتفكيرنا السائد بشأن الانتحار، كما لو أن جزءا منا موجود خارج المرض، غير متأثر، يتعامل مع الموقف ويجعله عقلانيا.

يصر أنتريم على أن الانتحار ليس غامضا كالموت نفسه، ولكنه نتيجة لمرض يتطلب علاجا طبيا ودعما من المجتمع الذي تخلى عن الناس الأكثر ضعفا منا ودفعهم إلى الإقدام على الانتحار. فالمنتحر مثل أي شخص مصاب بمرض يهدّد حياته، لذلك يقدم على الانتحار لأنه يرى أن الحياة تكمن في الموت!

كان أنتريم يبلغ من العمر 47 عاما عندما أقدم على الانتحار بمحاولة رمي نفسه من مبنى شقته العالية، بعدما صار لا يطيق الهواجس التي تنتابه، لكنه تراجع. أما زميلي فقد كان يبلغ 19 عاما عندما رمى نفسه تحت عجلات الشاحنة لسبب سخيف لم أصدقه بالأمس ولا يمكن أن أفسره اليوم إلا عبر الاعتراف الشجاع عند دونالد أنتريم الذي قضى أربعة أشهر من العلاج النفسي في مصحة بنيويورك.

20