كندا تلتمس دعم ألمانيا بمواجهة عاصفة الغضب السعودية

أوتاوا فوجئت بعزلتها بين دول كانت تتوقع دعمها الصريح في الأزمة مع الرياض.
الثلاثاء 2018/08/28
برلين جربت ولا ترغب بالمزيد

برلين - سلكت الخارجية الكندية سياسة الهروب إلى الأمام في الأزمة الدبلوماسية التي أثارتها مع المملكة العربية السعودية، بعد أن وقفت على مقدار حزم الرياض في الردّ على ما اعتبرته تدخّلا كنديا صارخا في الشأن الداخلي للمملكة بتوجيهها “انتقادات للوضع الحقوقي في السعودية مستندة على معطيات خاطئة، من خلال دفاعها على متهمين خاضعين لإجراءات قضائية بسبب أعمال تجرّمها قوانين المملكة”.

وأصرّت وزيرة الخارجية الكندية كريستيا فريلاند على التمادي في تسويق صورة بلدها كـ”وصي” على حقوق الإنسان في العالم، لكنّها سعت في الوقت نفسه إلى الحصول على مساندة ألمانية في ذلك، الأمر الذي فسّره محلّلون سياسيون على أنّه مسعى غير مباشر للحصول على مساندة برلين في الأزمة مع السعودية.

ولم تفاجأ أوتاوا فقط بـ”عاصفة” الإجراءات الصارمة التي اتخذتها الرياض ضدّها بدءا من طرد السفير الكندي وصولا إلى سحب المبتعثين السعوديين للدراسة في الجامعات الكندية، ومرورا بوقف استيراد سلع من كندا وإلغاء مشاريع تعاون اقتصادي بين البلدين، ولكن هالها طوق العزلة الدولية الذي أحاط بها وإحجام دول يفترض أنّها تشاركها “قيمها” عن مساندتها في موقفها من السعودية، حيث اختارت تلك الدول التزام الحياد حفاظا على مصالح حيوية تربطها بالمملكة.

وأعلنت الولايات المتحدة الجار الأكبر لكندا حيادها في الأزمة بين الرياض وأوتاوا، مشدّدة على رغبتها في الحفاظ على علاقاتها مع الطرفين على حدّ سواء.

وعبّرت عن تلك العزلة بشكل واضح رايتشل كران مديرة السياسات في حكومة رئيس الوزراء الكندي السابق ستيفن هاربر، معلّقة على الأزمة مع السعودية عبر حسابها في تويتر “ليس لدينا صديق واحد في العالم أجمع. وهذا أمر ليس من فراغ”.

طلبت فريلاند، الاثنين، من ألمانيا دعم بلادها في ما سمّته “حملتها للدفاع عن حقوق الإنسان في العالم”.

وكانت الحكومة الألمانية قد التزمت الصمت بشأن الخلاف بين كندا والسعودية في ظل مساعي برلين، بحدّ ذاتها، لإصلاح علاقتها مع الرياض بعد أن بدأ الفتور في علاقة الطرفين يؤثّر على مصالح اقتصادية ألمانية من خلال تقليل السعودية من حجم وارداتها من السلع الألمانية.

وفي كلمتها خلال تجمع سنوي للسفراء الألمان في برلين، تجنبت فريلاند ذكر السعودية بالاسم لكنها ألمحت بطريقة غير مباشرة إلى الخلاف الذي أثارته تغريدة لها كانت طالبت فيها بالإفراج عن أشخاص قيد المحاكمة في السعودية.

وردت الرياض على ذلك بتجميد أي صفقات تجارية جديدة مع كندا وطردت السفير الكندي وأنهت برامج تعليمية وطبية تدعمها المملكة في كندا.

وقالت فريلاند إن كندا ستظل دائما تدافع عن حقوق الإنسان “حتى عندما يقال لنا ألّا نتدخل في ما لا يعنينا. وحتى عندما يتسبب الحديث عن ذلك في عواقب”. وأضافت “نعتمد على الدعم الألماني ونأمل في الحصول عليه”.

وألمانيا نفسها سبق لها أن جرّبت الحزم السعودي في الردّ على التدخلات الخارجية في شأنها الداخلي. حيث ردّت الرياض على انتقادات لوزير الخارجية السابق زيغمار غابرييل لسياسات السعودية بسحب سفيرها من برلين واستثناء شركات الرعاية الصحية الألمانية من العطاءات الحكومية منذ أوائل العام الجاري.

وعلى هذه الخلفية رجّح مراقبون أن تواصل ألمانيا النأي بنفسها عن الخلاف السعودي الكندي لتجنّب توتّر جديد في علاقتها مع السعودية، التي لم تعد بعد إلى سالف طبيعتها، رغم مساعي ألمانيا لذلك عبر تعبير المستشارة أنجيلا ميركل عن احترامها للخصوصية السعودية ورفضها التدخل في شؤونها.

وتقاوم السعودية بردودها الصارمة على دول مثل كندا نزعة معروفة لدى العديد من الدول والمنظّمات الغربية تقوم على الضغط على الدول باستخدام ملف حقوق الإنسان للحفاظ على وضع من يعطي الدروس لتلك الدول.

وكثيرا ما تثار مفارقة صادمة في هذا المجال تتمثّل في أنّ غالبية الدول التي تحاول إعطاء الدروس لغيرها في مجال حقوق الإنسان، لا تستطيع إثبات بياض صفحتها بشكل كامل في المجال الحقوقي ولا تماسك مواقفها والتزامها معيارا واحدا في معالجة مختلف القضايا في العالم.

ولا تخلو محاولة تطبيق مثل تلك السياسة على دول كبيرة وغنية مثل السعودية من خسائر تكون في بعض الأحيان مادية مباشرة.

وفي محاولة لتفادي تلك الخسائر، حاول رئيس الوزراء الكندي جاستن ترودو في وقت سابق تطويق الأزمة مع الرياض بتخفيض اللهجة تجاهها، مع فتح ما سمته مصادر دولية “قنوات خلفيّة” للحصول على مساعدة وسطاء في حلّ الأزمة مع السعودية.

وقال ترودو في وقت سابق إن حكومته تواصل التعامل دبلوماسيا مع السعودية، مؤكّدا على أهمّية أن تكون لكندا “علاقات إيجابية مع الدول في جميع أنحاء العالم”.

3