كندا تمهّد لخروج آمن من الأزمة الدبلوماسية مع السعودية

أوتاوا لن تكون أصلب من برلين التي واجهت موقفا مشابها وسعت تلقائيا للتصالح مع الرياض.
السبت 2018/08/25
فريلاند ورّطت بلادها في موقف غير محسوب العواقب

الانطباع الذي بات سائدا بين الأوساط السياسية الكندية، بما في ذلك حكومة رئيس الوزراء جاستن ترودو، أنّ الأخيرة ارتكبت خطأ دبلوماسيا مجانيا تجاه المملكة العربية السعودية، وأنّه يتوجّب إصلاح ذلك الخطأ وتخفيف أضراره على المصالح الكندية، وهو ما شرعت أوتاوا في التمهيد له بخطاب سياسي مرن وليّن تجاه الرياض.

أوتاوا - خفّضت الحكومة الكندية من لهجتها تجاه المملكة العربية السعودية، فاتحة الباب أمام إنهاء الأزمة التي أثارتها مع المملكة، لتجنّب تبعاتها السياسية والدبلوماسية، وخصوصا الاقتصادية.

ورغم تعبيره عن “القلق” بشأن أوضاع حقوق الإنسان في المملكة، قال رئيس الوزراء الكندي جاستن ترودو إن حكومته تواصل التعامل دبلوماسيا مع السعودية، مؤكّدا في مؤتمر صحافي بعد ندوة لحكومته بمدينة نانيامو بمقاطعة كولومبيا البريطانية، على أهمّية أن تكون لكندا “علاقات إيجابية مع الدول في جميع أنحاء العالم”.

وفوجئت أوتاوا مطلع الشهر الجاري، بالرياض وهي تردّ بسلسلة من الإجراءات العملية على تصريحات لوزيرة الخارجية الكندية كريستيا فريلاند طالبت فيها بـ”الإفراج الفوري” عن أشخاص تقول السلطات السعودية إنّ عليهم ملفات قضائية وملاحقون بسبب تجاوزات واضحة وموثّقة على قوانين المملكة.

وشملت الإجراءات السعودية ضدّ كندا طرد سفيرها بالرياض وتجميد تعاملات تجارية جديدة معها ووقف واردات الحبوب الكندية واستدعاء جميع الطلاب السعوديين الدارسين بكندا للعودة إلى بلدهم، ونقل المرضى الذين يعالجون بالمستشفيات الكندية إلى بلدان أخرى.

وتبيّن لحكومة رئيس الوزراء الكندي، من خلال تلك الإجراءات، مقدار الحزم السعودي تجاه كل ما يتعلّق بالتدخل في شؤونها الداخلية واستعداد الرياض للذهاب إلى أقصى حدّ في الردّ على تلك التدخلات.

ويقول مطّلعون على الشأن السياسي الكندي إنّ الانطباع السائد لدى الدوائر السياسية الكندية، هو أنّ حكومة ترودو اقترفت خطأ دبلوماسيا مجانيا كان يمكن تفاديه وحماية مصالح حيوية لكندا. وبدا ذلك واضحا من انتقادات وجّهها ساسة وقادة رأي كنديون لموقف الخارجية الكندية من السعودية.

ويكرّس هذا الانطباعَ شعورُ أوتاوا بالعزلة حيث لم تعبّر أي دولة من الدول التي يفترض أنّها تقاسم كندا “قيمها الليبرالية” عن مساندة رسمية صريحة للموقف الكندي من المملكة.

وعلى رأس الدول التي عبّرت عن حيادها تجاه الأزمة الكندية السعودية، الولايات المتحدة الأميركية وذلك على لسان وزير خارجيتها مايك بومبيو الذي قال لنظيرته الكندية فريلاند إن واشنطن ملتزمة بشراكتها الوثيقة مع كل من بين الرياض وأوتاوا وتحث الدولتين على حل خلافهما بالسبل الدبلوماسية.

وبحسب مراقبين، فإنّ كندا لن تكون أقدر على “الصمود” بوجه الإجراءات السعودية الحازمة، من دول أخرى سبق لها أن واجهت موقفا مشابها وسعت تلقائيا للتصالح مع الرياض حفاظا على مصالحها، وعلى رأس تلك الدول ألمانيا التي تبرّأت حكومتها من انتقادات وجّهها أعضاء فيها للسعودية.

أوتاوا تشعر بالعزلة حيث لم تعبر أي دولة عن مساندة رسمية صريحة للموقف الكندي من المملكة

وفي وقت سابق نُقل عن مصدر في الحكومة الكندية قوله إنّ أوتاوا تعمل بهدوء عبر قنوات خلفيّة، للحصول على مساعدة حلفائها وبينهم ألمانيا والسويد من أجل حلّ الأزمة غير المسبوقة في علاقاتها مع السعودية.

وقال مسؤول كندي “بارز” نقلت عنه الوكالة الفرنسية دون الكشف عن هويته إنّ وزيرة الخارجية الكندية كريستيا فريلاند تحدثت مع نظيريها في الدولتين الأوروبيتين.

وكانت السعودية قد تعاملت في وقت سابق مع ألمانيا والسويد بصرامة بعد تطرّق مسؤولين في البلدين إلى الشأن الداخلي للمملكة، لكنّ برلين وستوكهولم سارعتا لتصحيح الوضع وإعادة العلاقات مع السعودية إلى سالف طبيعتها.

وسعت فريلاند إلى معرفة كيف حلّ هذان البلدان خلافهما مع السعودية وطلبت منهما الدعم، بحسب المسؤول ذاته.

غير أنّ وزير الخارجية السعودي عادل الجبير ردّ على تلك المساعي بالقول إنّه “لا حاجة لوجود وساطة” وإن على أوتاوا “تصحيح ما قامت به تجاه المملكة”، وذلك في إشارة ضمنية إلى وجوب اعتذار الحكومة الكندية على موقفها من السعودية.

ولا تستبعد مصادر دبلوماسية اضطرار الحكومة الكندية في الأخير للاعتذار للسعودية، حماية لمصالح اقتصادية قد تشمل مبلغ 13 مليار دولار قيمة صفقة سلاح كندي للمملكة، إضافة إلى مبادلات تجارية متنامية بلغ مقدارها السنوي حوالي 4 مليار دولار.

ويقول مراقبون إن كندا بهجومها المفاجئ على السعودية ربما كانت تسعى لتحقيق مكسب معنوي صغير بتسويق نفسها ضمن كبار المدافعين العالميين عن حقوق الإنسان والقيم الليبرالية دون أي أضرار جانبية، لكن النتائج جاءت على عكس المتوقّع تماما.

3