كندا محطة انطلاق جديدة للإخوان المسلمين تستغل ضعف الجالية المسلمة

وائل صالح لـ"العرب": كوادر الجماعة تسيطر على الخطاب الفقهي وتشوّه الحكومات العربية.
الثلاثاء 2021/06/22
مناخ الحريات يخدم أجندات الجماعة

أدت الضربات المتلاحقة التي تلقتها جماعة الإخوان المسلمين في الكثير من الأقطار العربية والهزائم التي أصابتها بعد ضرب مركزها الرئيسي في مصر وتصنيفها في عدد من الدول العربية كجماعة إرهابية، إلى تكثيف المحاولات المضادة للإطلال عبر مراكز جديدة وتبني خطابات تؤكد تواجدها، مستغلة في ذلك حاجة الجاليات المسلمة في بعض الدول الغربية إلى تجمعات مُعبّرة عن هويتها العقائدية.

مونتريال (كندا) - بدا من الواضح أن الجماعة الإرهابية المؤسسة لخطاب الإسلام السياسي في العالم العربي، استثمرت طاقات وإمكانات الكثير من كوادرها في صناعة محطات بديلة لها يمكن الإطلال منها، اعتمادا على تشريعات وقوانين غربية تسمح لها بالتواجد والتمدّد.

وكشفت دراسة أعدها مؤخرا مركز “تريندز” للبحوث والدراسات أن كندا صارت واحدة من أهم المحطات البديلة التي يحاول أعضاء جماعة الإخوان التمدّد فيها واحتكار الحديث باسم الجاليات المسلمة هناك، تمهيدا لإعادة تنظيم صفوفهم واستئناف خطاباهم لتجميل صورة الجماعة مرة أخرى.

وذكر الدكتور وائل صالح، معدّ الدراسة والمحلل المتخصص في دراسات الإسلام السياسي والمقيم في مونتريال بكندا، أن وجود جماعة الإخوان في دولة كندا شهد على مدى السنوات الأخيرة تطورات جعلت منها الكيان الأول المسيطر على الخطاب الخاص بالجاليات المسلمة هناك.

وأوضح صالح أن الجماعة وظفت المناخ القانوني السائد في كندا، والذي يسمح بحرية إنشاء روابط اجتماعية في التأسيس والسيطرة على روابط وكيانات دينية مختلفة نجحت بعد ذلك في أن تحل مكان الروابط القومية الأخرى.

وظهرت الجماعة وكأنها تستعد منذ أكثر من عشرين عاما لضربات قاصمة ونفور عام في الدول العربية وتعمل على خطة إيجاد ملاذات آمنة في حال التضييق عليها، ما دفعها منذ منتصف التسعينات إلى العمل بزخم شديد على إنشاء المساجد والمدارس والمراكز الثقافية المختلفة حتى تمكنت مع بدايات القرن الحادي والعشرين من الانفراد شبه التام بالفضاء الديني الإسلامي في كندا، تمثل في تصدر كوادر الجماعة للمشهد العام في غالبية الحوارات الجدلية المثارة بشأن قضايا الكنديين المسلمين ومشكلاتهم المتصلة بالاندماج والإسلاموفوبيا والتطرف وغيرها.

اختراق منظم

     وائل صالح:  آن الأوان لاهتمام أوسع وأكبر من جانب مختلف مؤسسات الفكر العربي والإسلامي لكسر احتكار جماعة الإخوان للخطاب الإسلامي في المهجر
  وائل صالح: آن الأوان لاهتمام أوسع وأكبر من جانب مختلف مؤسسات الفكر العربي والإسلامي لكسر احتكار جماعة الإخوان للخطاب الإسلامي في المهجر

وأكد وائل صالح في تصريحات لـ“العرب”، أن منهج جماعة الإخوان المسلمين في إنشاء محطة جديدة لها داخل المجتمع الكندي اعتمد بشكل أساسي على اختراق عدد كبير من المؤسسات المدنية ذات الطبيعة الدينية والسيطرة عليها وفق خطة محددة الأهداف ومدروسة بعناية.

وتضمّنت تلك المؤسسات كلا من المجلس الوطني للمسلمين الكنديين، الدائرة الإسلامية لأميركا الشمالية، الجمعية الإسلامية لأميركا الشمالية فرع كندا، رابطة المسلمين في كندا، ورابطة الطلاب المسلمين.

ويكفي استقراء ومراجعة أنشطة وخطابات تلك المؤسسات خلال السنوات الأخيرة لكشف مدى التزامها بالمناهج التقليدية المعروفة للجماعة، والاتساق مع التوجه العام لأفكارها في نقد القوميات ومعارضة الحكومات العربية، والتنديد بها، والتبشير بكتابات رموز الجماعة من مختلف الأجيال، باعتبارها الكتابات الوحيدة المعبّرة عن الإسلام وتصوراته تجاه قضايا عديدة.

وفي تصور وائل صالح فإن الجماعة تستخدم المجلس الوطني للمسلمين الكنديين كذراع سياسية لها، بينما تعتبر الدائرة الإسلامية لأميركا الشمالية بمثابة ذراع تربوية قائمة على أفكار السلفية المنغلقة، فضلا عن استخدام رابطة المسلمين كقاطرة تربوية وتعليمية تعتمد الأيديولوجية المعلنة للجماعة، وتمثل رابطة الطلاب المسلمين أداة الجماعة داخل كندا لتجنيد أعضاء ومتعاطفين جدد من مختلف أنحاء البلاد.

ويتم استغلال الصندوق الإسلامي لأميركا الشمالية، وهو صندوق رسمي قانوني يعمل على تمويل تشغيل وصيانة المساجد القائمة كأداة تمويلية لأنشطة الجماعة داخل المجتمع الكندي.

وهناك مؤسسة أخرى باسم مؤسسة التصويت الكندي المسلم تُهيمن عليها الجماعة أيضا وتستخدمها كأداة ضغط في المشهد السياسي والانتخابي، ما يتيح لها ممارسة ضغوط تسمح لها فيما بعد بفتح ملاذات آمنة لبعض كوادر الجماعة الهاربة من أحكام قضائية في دول عربية عدة، على رأسها مصر.

وكشف صالح أن كافة تلك المؤسسات المنفصلة قانونيا تتلاقى وتتعاون وتتشابك في علاقاتها من خلال اتصالات واجتماعات وتنسيق علني وسري يُعبر في النهاية عن كيان واحد محدد الأهداف والمصالح، وهو ما رصدته مؤخرا بعض التقارير الرسمية الكندية.

Thumbnail

وفي تقدير المحلل والباحث المصري الذي يعمل في كندا، فإن الخطوة الأهم لدى كوادر جماعة الإخوان سنحت عندما نجحوا في السيطرة على الفتوى الدينية والدفع بوجوه جديدة تدين بالولاء التام للجماعة وتحاول احتكار الجانب الفقهي بين المسلمين وتصويرهم كعلماء دين، من أبرزهم الداعية جمال بدوي الذي تعتبره الدراسة بمثابة رجل الإخوان الأهم في كندا.

وتعتمد الجماعة على شبكة واسعة من العائلات المهاجرة تضم بعض القيادات السابقة للجماعة، والتي هاجرت من مصر قبل ثلاثة أو أربعة عقود منها مثلا عائلات القزاز، وطنطاوي، وهدارة، وعلى رأس هؤلاء يبرز وائل هدارة الذي يقدم نفسه كسياسي كندي مسلم.

وتستخدم الجماعة في الوقت ذاته منهج التنمية البشرية للترويج لأفكارها والتبشير بنموذج الدولة الإسلامية المأمولة عبر كوادر تعمل في مجال التنمية البشرية، مثل إيهاب بدر الذي يحظى بشعبية كبيرة بين الشباب، ومعه الدكتورة آنجريد ماتسون الباحثة المتخصصة في مجال الدراسات الإسلامية التي اعتنقت الإسلام بنسخته الإخوانية مؤخرا وساهمت في الترويج للأيديولوجية الخاصة بالجماعة باعتبارها الإسلام الصحيح.

خطاب مشوّه

تنظيم صفوف الإخوان في كندا

  • الجماعة وظفت المناخ القانوني السائد في كندا، الذي يسمح بحرية إنشاء روابط اجتماعية، في التأسيس والسيطرة على روابط وكيانات دينية مختلفة نجحت بعد ذلك في أن تحل مكان الروابط القومية الأخرى.
  • الجماعة تستخدم المجلس الوطني للمسلمين الكنديين كذراع سياسية لها.
  • الجماعة نجحت في السيطرة على الفتوى الدينية والدفع بوجوه جديدة تدين بالولاء.
  • استطاعت الجماعة الانفراد بالفضاء الإسلامي الكندي واتخاذه قاعدة خلفية في حملات شيطنة الحكومات العربية التي تكافح ضد نمط تديّنها السائد في البلدان العربية.
  • الدراسة التي أعدها وائل صالح دعت مؤسسات الفكر العربي والإسلامي إلى كسر احتكار جماعة الإخوان للخطاب الإسلامي في المهجر، وكندا تحديدا، وقطع الطريق على مخططاتها.

يقول صالح إن خطاب جماعة الإخوان يعتمد على تشكيل صورة ذهنية للمسلم غير المنتمي إليها باعتباره مرفوضا من خلال عملية عقلية تعتمد على تسلسل فكري معين وتصل في النهاية إلى حد تنميط المسلم غير الإخواني.

وأضاف أن الجماعة تمارس في خطابها الدعوي في كل مكان عملية تشويه مقصودة تجاه كل من هو غير إخواني، فهو “فاسد ومنحل وعلماني”.

وخلصت الدراسة إلى أن جماعة الإخوان المسلمين استطاعت الانفراد بالفضاء الإسلامي الكندي، لأن هدفها كان ولا يزال منذ بداية التواجد في كندا هو احتكار الفضاء الإسلامي الخاص بها واتخاذه قاعدة خلفية في حملات شيطنة الحكومات العربية التي تكافح ضد نمط تديّنها السائد في البلدان العربية.

ورأى صالح أن كافة الجماعات الإسلامية بمختلف أطيافها وفي القلب منها جماعة الإخوان المسلمين تتشارك نفس المبادئ المؤسسة، إذ لا تعترف بالأوطان وحدودها وتخلط بين الدين والسياسة فتدنّس الديني بإنزاله إلى مستوى السياسي وترفع من شأن السياسي بتقديسه أحيانا، فينتج خلطة أيديولوجية يمتزج فيها الرأي والتفسير بالنص المقدس، ما يقود إلى انفجار حتمي.

وشدّد الباحث المصري على أن اتساع وتصاعد النشاط الإخواني بين المجتمع المسلم في كندا يدقان ناقوس الخطر لتجييش فلول الجماعة المرفوضة في الكثير من دول الشرق الأوسط للتمركز في كندا البعيدة جغرافيا كفترة مرحلية تمهيدا لتنظيم الصفوف، بعد الضربات التي تعرضت لها، وتقييد حركتها نسبيا في الدول التي تأويها مثل تركيا.

استثمار مناخ الحريات

يُمكن مناخ الحرية الممنوح لكافة الكيانات في كندا إساءة استغلاله في التحريض ضد الحكومات العربية التي قوّضت حركة الجماعة، ومحاولة تشويه صورتها لدى الرأي العام العالمي دون طرح مقابل من تلك الحكومات.

ورأى صالح أنه آن الأوان لاهتمام أوسع وأكبر من جانب مختلف مؤسسات الفكر العربي والإسلامي لكسر احتكار جماعة الإخوان للخطاب الإسلامي في المهجر، وكندا تحديدا، وقطع الطريق على مخططاتها.

وأشار في دراسته إلى إمكانية عرض الإسلام برحابته وتعدديته من خلال مؤسسات أكثر احترافية واعتدالا، ومن الظلم الشديد اختزال الإسلام في حركات الإسلام السياسي المعاصرة، حيث يتضمن الفكر الإسلامي المعاصر تيارات أخرى مثل “الإصلاحية المسلمة” التي يمثلها فكر الأزهر وعموم الفكر الإسلامي التوفيقي الذي يتراوح بين الاستقلالية السياسة أو تبعيتها النسبية للدين، وفي كل الأحوال لا يضع السياسة في قلب المشروع كالإسلاموية، وهناك أيضا تيار ثالث هو تيار “الإنسانوية المسلمة” ويمثله مفكرون مستنيرون يهتمون بمستقبل المجتمعات، مثل الراحل محمد أركون.

والدكتور وائل صالح هو عضو مشارك في معهد الدراسات الدولية بجامعة كيبيك في مونتريال (UQAM)، ومستشار رئيسي للأبحاث في معهد الدراسات الدينية بجامعة مونتريال وحصل على درجة الماجستير في العلوم السياسية التطبيقية عام 2011 بتقدير امتياز من جامعة شيربروك في كندا، ونال درجة الدكتوراه في العلوم الإنسانية التطبيقية (تخصص دقيق يتكون من علوم سياسية ودراسات إسلامية) عام 2016 بمرتبة الشرف الأولى، من جامعة مونتريال في كندا.

وهو المدير والمؤسس المشارك لمعهد دراسات ما بعد الربيع العربي، ومن أبرز مؤلفاته “الإسلام السياسي في زمن ما بعد الربيع العربي.. هل دخلنا عصر موت الإسلاموية؟”، و”مفهوم الدولة في الفكر المصري الحديث والمعاصر.. ما بين التواصل والتغير والقطيعة”، و”في البحث عن حداثة في الإسلام.. طرق عربية معاصرة”.

12