كنوز الرومان بتونس تُنبش بأيادي اللاهثين وراء سراب

الاثنين 2014/09/08
الآثار الرومانية في القصرين أصبحت مهددة من قبل النباشين وصيادي الكنوز

النبش للبحث عن الآثار وعن الكنوز في تونس ظاهرة قديمة تعيدها الحوادث المتكررة، التي تشهدها محافظة القصرين غربي البلاد حيث يوجد حوالي 25 بالمئة من الآثار الرومانية، إلى الأذهان وتجذب العديد من الحالمين بثروة مدفونة تحت الأقدام.

القصرين (تونس)- رجل مطمور تحت التراب على عمق 30 مترا هرعت فرق الإنقاذ في محاولة لانتشال جثته، قالت مصالح الحماية المدنية إنها “مهمة مستحيلة” مما اضطرها إلى ترك الجثة تحت التراب، واقتيد رفقاء صاحبها إلى السجن بشبهة جنائية.

حادثة بدت غريبة استيقظ على وقعها أهالي منطقة “قوبل” من محافظة القصرين، غربي تونس في نهاية شهر نوفمبر 2013. الرجل الذي أطلقت عليه أسماء عديدة أبرزها “الصفاقسي” أو “صياد الكنوز″ لم يكن يعمل في مجال الإنشاءات بل كان في رحلة بحث عن “كنز″ موعود، قادته من محافظة صفاقس الساحلية شرقي البلاد، إلى محافظة القصرين غربا لينتهي جثة تحت التراب.

وتقول وزارة الثقافة إن تلك المحافظة تحتوي على حوالي 25 بالمئة من الآثار الرومانية وتحتل المرتبة الثانية من حيث الآثار المحمية والمبوبة كمواقع أثرية ذات الصبغة الخاصة.

وتخضع آثار القصرين إلى إشراف وحماية المعهد الوطني للتراث (حكومي) الذي أنجز خرائط تثبت أن القصرين تضم ما لا يقل عن 3000 موقع أثري منها 102 اعتبرها المعهد ذات قيمة تاريخية فوضعها على قائمتة للمواقع الـ”محمية”.

هذا الامتداد الهام للمواقع الأثرية خلق من يعرفون بـ”النباشين” ويعرفهم آخرون بـ”صيادي الكنوز″ ويراهم آخرون “لصوص آثار” ويزيد آخرون أنهم “لاهثون وراء وهم”، لكن هؤلاء مازالوا يقلبون الحجر وينبشون التراب وأثرهم يدل عليهم في كل المواقع الأثرية.

الموقع الأثري لمدينة حيدرة في محافظة القصرين

وعادة ما تستعمل في خدمة العثور على كنز عن بعد أكثر الأساليب تطورا وحداثة لكن في القصرين يستعمل الباحثون عن الكنوز معتقدات يراها البعض بدائية وساذجة مثل الأبخرة والشعوذة كما يعتمد البعض الجرافات في الحفر.

ويلجأ من تستمع إليهم للتدليل على وجود الكنز إلى التاريخ حيث ظاهرة الاكتناز التي عرفتها الشعوب القديمة وهي عملية مثبتة تاريخيا انتشرت زمن الحروب والقلاقل وفي الأزمات الاقتصادية الكبرى التي عرفتها هذه الشعوب.

فبعض الشعوب يلجأ إلى إخفاء ما يملك بوضع علامات لمعرفة مكانه، ثم يقوم البعض بعملية التحصين والتي تتمثل في وضع مانع يقوم بحراسة الكنز، ويكون فك المانع أو الوكيل وفق تسمية البعض الذي غالبا ما يكون حيوانا والأكثر تداولا هو ثعبان كبير، بمجموعة من البخور تبدأ بالعنبر لتضم الأكثر غلاء مثل “اللبان الذكر” (نوع من العلكة).

وعندما يصبح الكنز (ملك بشري في الأصل) طوع الجن لحراسته ماذا بقي لعالم الآثار والتاريخ هذا الذي يجوب منذ سنوات كمختص في الآثار ربوع محافظة القصرين متنقلا بين المواقع الأثرية التي يعتبرها جزءا من ذاكرة الوطن ويعاين يوميا هذا التدمير المتواصل لهذه الذاكرة. لطفي النداري عالم آثار تونسي وأحد هؤلاء قال “كل المواقع الأثرية مكان للعثور على نقود قديمة ووجودها لا يعني دليلا على وجود كنز مدفون”.

وأضاف أن “الاعتقاد بوجود كنوز في المواقع الأثرية بمحافظة القصرين هو وهم وكذبة كذبها أحدهم وصدقها الحمقى وهو لهث وراء سراب وللتدليل على ذلك فإن عمليات العثور على الكنوز في تاريخ تونس قليلة جدا”. ويرفض لطفي نداري فكرة الاكتناز، مشيرا إلى أنها ظاهرة لم تعرفها تونس وهي ظاهرة وإن وجدت لم تنتشر بشكل كبير في كل الحضارات.

ويتابع قائلا “الإشارات والرموز هي نقوش جنائزية تعبر عن معتقدات لا علاقة لها برموز دالة على كنوز وقد لاحظت هذه المبالغة في تأويل الرموز المنقوشة على الحجارة في المواقع الأثرية”.

المسرح الروماني في الموقع الأثري بسبيطلة

لطفي نداري يعتبر ظاهرة النبش اعتداء على التراث وتغييرا لطبيعة المواقع الأثرية حيث تتم عمليات الحفر بشكل عشوائي وتعقِّد من مهمة الباحث في التاريخ كما تدمر كثيرا من الشواهد التاريخية النادرة والدالة على خصوصيات حضارية معينة.

ويتستر “النباشون” بالليل ويكتشف لطفي النداري ومحافظو التراث آثار فعلتهم نهارا، وهم يعتبرون فعلهم مشروعا للحصول على الكنز الموعود بينما يراه عالم الآثار جريمة في حق الثراث.

ويبدو القانون التونسي قاصرا في تحديد الجرم من عدمه فيقتصر التجريم على النبش في المواقع المصنفة وذات الوضع القانوني الخاص في حين وبالعودة إلى أرقام المعهد الوطني للتراث فإن حوالي 2900 موقع بمحافظة القصرين تمثل مجالا للنبش دون أن يرتكب النباشون الجريمة فقانون الحقوق العينية لا يستثني الكنوز من ملكية الأرض.

وفي الفصل (المادة) 25 من القانون فإن الكنز الذي لا يستطيع أحد أن يثبت ملكيته له تكون ثلاثة أخماسه لمالك الأرض وخمسه لمكتشفه، فيما يشير القانون نفسه إلى أن الأشياء الأثرية تنظمها قوانين خاصة.

يمثل هذا قانون، فإن الجميع سيحفرون ليلا أو نهارا مادامت الأرض ملكية خاصة ومادام الحفر لم يصنف وينظم بقانون خاص لذلك أطلق سراح شركاء صياد الكنوز ويحاكمون وهم في حالة سراح بشبهة القتل لا بسبب نبش الآثار.

20