كنوز عدن التاريخية تحترق بنار الحرب

تُعتبر المعالم التاريخية لأي بلد، مكسبا له قيمة كبيرة، كونها ترتبط بالحضارات التي مرت به، واليمن الذي يعتبر واحدا من أقدم مراكز الحضارة في المنطقة، يزخر بثروة تاريخية ضاربة في القدم، ولكن الحرب أتت على بعض هذه الثروة، فأحالتها إلى كومة من ركام.
الثلاثاء 2015/10/06
شاهد عدن عن تعاقب الحضارات يتحول إلى ركام

عدن- مدينة عدن، العاصمة الاقتصادية والتجارية لليمن، فيها الكثير من المواقع الأثرية التي يعود بعضها إلى مئات السنين، والتي ظلت محافظة على مكانتها التاريخية والروحانية إلى الوقت الذي دقت فيه الحرب في مارس الماضي، أبواب اليمن. ويبرز المتحف الحربي الذي يعود بناؤه إلى العام 1918، في مقدمة هذه الأماكن التي حل بها الدمار والخراب.

المتحف الذي كان مدرسة للتعليم الابتدائي، مطلع القرن الماضي، جرى تحويله إلى متحف مخصص للتراث العسكري اليمني، وفق قرار صادر من الرئيس الجنوبي الراحل، سالم ربيع علي، عام 1971.

وحسب هيئة الآثار والمتاحف اليمنية، كان المتحف يتألف من 7 صالات، وتوجد فيه أكثر من 5 آلاف قطعة أثرية، تم تنظيمها وفق التسلسل التاريخي والزمني للوقائع والأحداث التاريخية المتعاقبة ابتداء من العصور الحجرية، وعصور ما قبل التاريخ، والعصر الإسلامي، والاحتلال البريطاني، ففترة حكم الأئمة ( أسرة يحيى حميدالدين أو ما كانت تعرف بالمملكة المتوكلية عام 1918 – 1962)، ثم ثورتي الـ26 من سبتمبر 1962، و14 أكتوبر 1967، وصولا إلى الوحدة اليمنية عام 1990.

وتعد الأسلحة القديمة، وصور الثوار، ومعروضات عن تاريخ اليمن العسكري، ومراحل التطوير الحديث التي شهدتها القوات المسلحة، أبرز مقتنيات المتحف الذي يضم أيضا صورا وأعمالا يدوية صنعها الإنسان من الحجارة قبل 6 آلاف عام قبل الميلاد.

لكن هذا المعلم الذي يقع وسط مدينة كريتر، بمحافظة عدن (تحمل اسم المدينة نفسه)، تعرض إلى خراب كبير، بعد أن دمرت المواجهات المسلحة بين أطراف الصراع، أجزاء كبيرة منه، وسرقت معظم مقتنياته الثمينة.

وعلى مقربة من المتحف، يقع حي “القطيع”، الذي يعد واحدا من أعرق الأحياء في المدينة وأهمها، بحكم موقعه بالقرب من البحر، حيث شيدت فيه منذ فترة مبكرة من القرن التاسع عشر، ومطلع القرن العشرين، عدة مبان سكنية، ومنشآت حيوية، أبرزها نادي التنس العدني العريق الذي أنشئ عام 1902، وبني على أنقاضه مبنى إدارة الهجرة والجوازات حاليا.

وفيه يوجد مسجد “العلوي” الذي شيده أحد أئمة الصوفية في النصف الثاني من القرن العاشر الهجري، ويرجع بعض المؤرخين تاريخ بنائه إلى السيدة “بهجة” وهي أميرة من أميرات بني زريع (قبيلة حكمت اليمن في الفترة من 1138 إلى 1175 وتنتمي إلى جشم يام إحدى قبائل نجران) ، إلا أن المعلم التاريخي الديني بطابعه القديم قد طمس بعد الوحدة اليمنية عام 1990، بحجة إعادة بنائه، مطلع تسعينات القرن الماضي، قبل أن يتعرض إلى دمار كامل.

مدينة للأديان السماوية وغير السماوية طالها الدمار

ويقع في الحي، مستوصف “الفارسي أدلجي”، بمبناه التاريخي الفريد الذي شيد عام 1913، وكان يقدم خدماته بالمجان، ليس لأبناء حي القطيع فقط، بل لبقية الأحياء في كريتر، كحي العيدروس، والخساف، والطويلة، والروزميت الذي تعرض هو الآخر للدمار، إثر المواجهات المسلحة التي دارت رحاها إبان فترة الحرب على عدن.

وبمحاذاة المتحف الحربي، تقع مكتبة “الفقيد عبدالله باذيب”، التي تعد صرحا ثقافيا تنويريا رائدا، يعود تاريخ بنائه إلى أكثر من 5 عقود، ويتردد عليه عشرات الزوار يوميا، للاطلاع على ما تحتويه أقسامه المتعددة التي تصل إلى 12 قسما، من كتب، ومطبوعات، وأرشيف ثقافي وصحفي نادر. لكن ذلك لم يشفع لهذا الصرح فطاله قصف الحوثيين، لتعدو أثرا بعد عين.

ما يميز عدن عن باقي مدن اليمن، أنها الوحيدة التي تعايشت فيها أديان سماوية وغير سماوية، حيث لا تزال كنيسة “سانت جوزيف” في حي البادري، بكريتر، التي بنيت عام 1852 على يد الكاردينال جي ماسايا، شاهدة على ذلك.

الكنيسة التي كانت مدرسة مخصصة للراهبات، قبل أن يتم إضافة ملحق بها خاص بالروم الكاثوليك، تعرضت للعبث والتدمير من قبل عناصر الحوثيين وقوات صالح. أما كنيسة “شيلدن” التي بنيت عام 1952، إبان الحكم البريطاني لعدن، فخط الحوثيون على جدرانها، شعاراتهم المعروفة بـ”الموت لأميركا”، “الموت لإسرائيل” … إلخ.

في مدينة التواهي، بالمحافظة نفسها، يقع ميناء عدن الشهير، حيث يوجد رصيف “ويلز” المشهور بـ”رصيف السواح”، والذي يعود تاريخ بنائه إلى العام 1905، ويتميز بطرازه الجميل، وسقفه القرمزي الأخاذ، زاد من جماله أنه بني بنفس طراز بوابة ميناء بومباي، الهندية.

وأثناء سيطرتهم على المدينة، جعل الحوثيون نسبة التدمير فيه، تصل إلى 90 بالمئة، وتحول سقفه البديع إلى حطام متناثر. في طرف من أطراف منطقة الخساف الجبلية، بمدينة كريتر، بين ثنايا الجبل، بني المعبد الهندوسي، قبل أكثر من مئة عام، وظل أتباع الديانة يمارسون طقوسهم وشعائرهم بكل هدوء، دون أن يعترضهم أحد، حسب مؤرخين، إلا أن المبنى تعرض مؤخرا للهدم من قبل جماعات إسلامية ترى أن وجود المعبد فيه “مخالفة للتعاليم الإسلامية”

20