كنيسة "العائلة المقدسة" في برشلونة.. الصرح الذي لا يكتمل

الثلاثاء 2013/09/17
كنيسة العائلة المقدسة نبض برشلونة

برشلونة- نزور برشلونة وفي الذهن معلمان: نادي كرة القدم و»سغرادا فاميليا». فأما ناديها فقد عبر صيته الآفاق حتى عُدّ أشهر فريق في العالم بفضل نجمه الأرجنتيني ليونيل ميسي ونجومه الإسبان إنييستا وشابي وبيدرو وسواهم ممن رفعوا الألقاب المحلية والقارية والدولية. وأما «سغرادا فاميليا» فهي بمثابة «برج إيفل» من باريس أو «بيغ بن» من لندن أو «الأهرام» من القاهرة، لا يراها المرء في مجلة أو بطاقة بريدية أو لوحة فنية حتى يستدل إلى المدينة المعنية.

«سغرادا فاميليا» كنيسة عظيمة تختلف عما عهده الغرب المسيحي في عمارة الكنائس، ابتكر هندستها الفريدة رجل عبقري يدعى أنطوني غاودي (1852-1926). شرع في تشييدها في عام 1880 وقضى نحبه دون أن تكتمل، ولا تزال حتى الساعة حظيرة مفتوحة يشتغل عليها ما لا يقل عن 250 مهندسا معماريا، تستقبل في كل يوم طالع مئاتِ العمال والفنيين وآلافَ السيّاح ولفيفًا من باعة التذكارات.


تراث عالمي


تحتل «سغرادا فاميليا» (ومعناها العائلة المقدسة) موقعا وسطا بين المدينة العتيقة بشوارعها الضيقة ومحلاتها المكتظة، والمدينة العصرية ذات الطرقات الواسعة التي رتبت نقط تقاطعها في شكل معينات، تفسح للضال إمكانية إيقاف سيارته وتبين مساره في مأمن من حركة المرور. لها علو يجعلها أشبه بمنارة يستدل إليها الساري إلى موقعه من المدينة وتقنية في البناء هي ما به يتميز غاودي، صاحب الأسلوب المتفرد في إنشاء معالم صنفت «اليونسكو» عشرة منها ضمن التراث الإنساني العالمي، حتى صارت برشلونة مقترنة باسمه.

اطلع غاودي في بداياته على الفنون المعمارية الشرقية، سواء في شرق آسيا (الهند والصين واليابان)، أو في الشرق الأوسط (مصر وبلاد فارس)، وألم بهندسة المعالم الإسلامية في الأندلس (قصر الحمراء خاصة)، وحضارة المايا، وتأثر بالفن الباروكي والفن الغوطي، ثم انخرط في تيار الحداثة الكتالوني (مودرنيسمو) الذي أطلقه في برشلونة رامون كاساس وسنتياغو روسّنيول، والتف حوله منذ 1898 جمعٌ من المهندسين المعماريين مثل فرانشيس كبيرنغر وجوزيب ماريا خوخول وسيزار مارتينال وفرانشي كفولغيرا، والفنانين التشكيليين مثل أوريليانو دي بيرواتي، جواكين سورولاّ، إنياثيوزو لواغا، أنخيل أورانغا وبيكاسو، وهو ما عرف بجيل الـ98 الذي كان له إشعاع في إسبانيا وخارجها.

يستمد غاودي فنه المعماري من عناصر الطبيعة أشجارا وزهورا وحيوانات وأسماكا وحتى هياكل عظمية لتشييد معمار فني يمجّد الله وخلقه، فهو ينبذ الخطوط المستقيمة ويفضل عليها الخطوط المنحنية والمقوسة، حتى في السطوح والأبواب والنوافذ والممرات وفي أثاث البيوت الذي صنعه بنفسه. نجد ذلك في أجراس الكنيسة العشرة، وفي أعمدتها التي لا تحصى عددا، وفي قبابها الشبيهة بثمار «مانجو « عظيمة، التي تطاول عنان السماء، مثلما نجده في «كاسا ميلاّ» و»كاسا بيثنس» و»كاسا باطلو» الذي يعده العارفون أجمل بيت في أجمل شارع من شوارع برشلونة، وكذا في «بارك غويل» الحديقة المفضلة لأهالي المدينة وقبلة الزوّار من كل مكان، وكلها مدرجة على قائمة التراث العالمي منذ العام 1984.

زخرفة بلورية لضوء كتالوني


رمز كتالونيا


ينتابك إحساس وأنت تعبر شوارعها الثلاثة الكبرى (دياغونال، غران فيا، ميريديانا) التي تخرق المدينة من أقصاها إلى أقصاها في تقاطع مدروس، بأن تشييد المدن عمل فني يخضع لقواعد وشروط لا بد من توافرها، فلا مجال هنا للبناء الفوضوي حتى في الضواحي المجاورة.

مدينة تسند ظهرها من جهة الغرب إلى مرتفعات جبلية تشتعل بإخضرار تحت أشعة الشمس التي تكاد لا تغيب، وتغسل قدميها من جهة الشرق في مياه المتوسط. من مرتفع «توبيدادو»، حيث كنيسة «سغراد كور» المهيبة يحضن الزائر المدينة كلها، بمعالمها وميادينها، بشطآنها وحدائقها. «توبيدادو» هذه ضاحية صغيرة تطل من شاهق، حيث مدينة ملاهٍ صغيرة هي الثانية في أوروبا من حيث القدم، يبلغها الزائر عبر «التيليفيريك» أو على متن قطار قديم يرجع عهده إلى مطلع القرن الماضي، يأتيها السياح أفواجا للتعبد واللهو ومعانقة مفاتن المدينة بواسطة المنظارات وحتى بالعين المجردة. عن بعد، تلوح المباني مثل مربعات تحدها خطوط مستقيمة، «سغرادا فاميليا» بعلوها الشاهق، ميدان كَتالونيا المطل على الرملة، ذلك الشارع الضاجّ ببشر من شتى الأجناس وباعة متجولين من سريلنكا وبنجلاديش، ورسامي البورتريه، وتماثيل بشرية ساكنة، ملتفة في إهاب أعلام، وفنانين ورحالة وسحرة وأبطال خرافات شعبية.. المدينة الأولمبية، الأكواريوم، حديقة الحيوانات والشطآن المترامية (إيكاريا، بوغاتيل، ماربيلا…).

على امتداد الميناء حركة دائبة، حيث مطاعم وحانات يعرض أغلبها «التاباس»، فطائر من ثمار البحر تشتهر بها كَتالونيا، وهي نوع من المزة كانت تقدم للزبون على فوهة القارورة في موضع السدادة (ولعل لفظة «طابو» التي يطلقها التونسيون على السدادة من هذا الأصل الإسباني).

تأسرك برشلونة بنظافتها وسعة شوارعها واتساق مبانيها واستقامة معابرها حتى لكأنها سطرت بمسطرة قبل الشروع في إنجازها، وتشدك فوق تلك الفضاءات الشاسعة الحافة بالميناء وصفوف النخل التي تؤثث أرصفتها، من ساحة كريستوف كولومب إلى ساحة أنطونيو لوبيث.

16