كن متنبها لتظل حيا، أصفر وأزرق سماء وصحراء

الأحد 2014/04/20
الفنان حسين المصوف: محترفه بستان ألوان

القطيف - السعودية - بعد “أحلام صياد” في 2008 ينطلق الفنان التشكيلي السعودي حسين المصوّف في معرضه الشخصي الثاني “كن متنبها لتظلّ حيا”- الذي أقيم على صالة فنون القطيف شرق السعودية في أواخر مارس الفائت- من إشارات تحذيرية تلفت الانتباه اليقظ للأشياء الصغيرة التي لا يمكن ملاحظتها إلا بعد التأمل والتدقيق. من هذه الزاوية الفاحصة نواجه المصوّف في تجربته مستخدما الألوان كعنصر تكويني مراوغ – تماماً كما تفعل الكائنات الصغيرة- ليختبئ بحيواته في محيطها الخاص هرباً من عدوّ ما يتربّص بها ويحاول أن يدمّر حياتها ووجودها. يقول الشاعر حسين المنجور عن المعرض: “كأنك تدخل الطبيعة بطفولتك، طفولة النظر للأشياء، والكائنات، محملاً بنظراتك التجريدية المشتغل عليها بنقاوة للألوان المنبعثة من الماضي. هكذا تخرج من تجربة المصوّف، تخرج من مكانها المفعم بروح الخامة البسيطة (بساطة خامات صياد السمك) لتعلق في زمنها بعدّة تجارب في تجربة، وعدّة تقنيات في تقنية، وعدّة مفاهيم في مفهوم سحرية الطبيعة وحضورها في روح الإنسان”.


تمويه لوني

لا يقدّم المصوّف أعماله لقمةً سائغةَ في فم المتلقي بل يعمد على تمويهها في محاولة ذكية للهروب من المباشرة، ومن الرقيب التقليدي الذي لو التفت لكائنات المصوّف على حقيقتها لمنع المعرض بالكامل. لذا يقوم المصوّف بتمويه شخوصه وكتله الجسدية وكائناته الإيروتيكية ليخلص إلى لوحات ذات كتل لونية متناسقة تماماً، لكنها ليست كما تبدو في ظاهرها. إذ – بعد ألفة قصيرة مع لوحات المعرض- ستبدو للمتلقي عوالمه بصورة مختلفة عن العوالم اللونية التي يواجهها في المصافحة الأولى مع اللوحات.

فسرعان ما ستتحوّل المساحات اللونية لأجساد بشرية وحيوانية، ولعلاقات عاطفية حميمة تتصارع أمامه بمدلولات مختلفة. ربما هذا الدلالات المختلفة جعلت المصوّف يضع صورة له وهو يرتدي بزّة الغواص في أعماق البحر. ليكون مرشداً لمخلوقاته المسكونة بالأعماق. يقول المصوّف: “أنا هنا المُرشد الذي عاش التجربة في أعماق البحر، والذي يحاول أن يرشد المتلقي إلى الأعماق والألوان دون أن يشرحها، أو يفصّل في دلالاتها”.

تفاصيل صغيرة


المصوّف الذي تتقاسم عوالمه مساحتان لونيتان من الأصفر والأزرق، المنحدرين من تشبع الصحراء والبحر في يومياته يحاول أن يسجل عبر ذاكرته البصرية انعكاسات الحياة على وعي الفنان من خلال رصده لما يمكن أن يكون روتينياً في حركة المد والجزر، والشروق والغروب، وحركة الرمال، وتناوب الوقت بين الصباح والمساء. إنه يعتني عناية كبيرة بتلك التفاصيل الصغيرة، وبالكائنات البحرية والصحراوية الدقيقة غير الملتفت لها بفعل الفوضى الإنسانية الحديثة المرتكبة في حقّ بكارة الطبيعة وفطريّتها. ليحاول بذلك أن يعيد تدوير الكائن الفطري الذي شوّهه الإنسان.

صراع موندرامي

فكرة التجربة انطلقت من بداية 2010 حتى نهاية 2013 حيث اكتمل المشروع بثمانين لوحة تشكيلية تفاوتت أحجامها ما بين عشرين سنتمتراً وحتى عشرة أمتار في مساحات لونية اعتمدت على الأكروليك فوق قماش الكانفس. وتنوّعت موضوعاتها التشكيلية بين منمنمات صغيرة سلّط عليها المصوّف الفوكس من زوايا محددة ليظهرها، وبين صراعات وجودية ضخمة رسمت على مساحات كبيرة من الكانفس، تذكرنا بتلك اللّوحات التي رصدت الحروب الأهلية الأوروبية بكل ما تحمل من مفارقات حياتية وأسئلة فلسفية كبرى. يقول الفنان التشكيلي السعودي عبدالعظيم آل شلي عن التجربة: “نحن أمام تجربة متجدّدة وناضجة ومثقفة على مستوى اللون الغنائي، وعلى مستوى طرح التكوينات المختلفة التي يمكن أن تعدد قراءتها وتأويلاتها كلما زاد المتلقي في استبصاره وتأمله لها. لقد شهدت المنطقة من خلال تجربة المصوّف أول لوحة مونودرامية ذات تداخل هرموني متقن في التحكم بالمساحات التي جاءت متناغمة مع جميع مكوّناتها، والتي تنمّ عن قدرة توظيفية طاغية لديه، وهذا أمر ليس بالسهل إطلاقاً”.

من جهتها علّقت الفنانة التشكيلية إيمان الجشي قائلة: “الداخل إلى معرض المصوّف كالداخل إلى بستان يشعر بالراحة والسعادة، فقد اهتم بالألوان التي تلامس الوجدان، وتبعث على السعادة، تداخلات لونية آسرة، كما اهتم بتفاصيل دقيقة كالخط والكتلة والحجم والتجانس والتوافق والانسجام والتكرار”، وأضافت الجشي: “الجدارية كأنها ملحمة متصلة مترابطة مليئة بالحركة والحياة، تشعر الشخص وكأنه يعيش داخلها.

(كن منتبهـــاً لتظل حياً) فعلاً اسم يليق بالمعرض، فالحياة واستمرارها هي السمة البارزة فيه”.

صحيفة “العرب” التقت بالفنان المصوّف وحدّثنا عن تجربة المعرض قائلا: “منذ فترة مبكرة وأنا أرى البحر مُتنفسي، وأجد في أعماقه السرية، وأمواجه المتلاطمة، وهدوئه من الخارج مصدر إثارة في الخربشة بالفرشاة، لذا أجدني أشابه البحر في حالتي المد والجزر فعند المد أشعر بالنشوة والإقبال على مُمارسة الفن فإذا انتهت هذه الحالة تبدأ حالة الجزر بالتدريج”.

وأضاف المصوّف: “فكرة المعرض تتناول جانب التخفي والتمويه عند الكائنات، ليست الأسماك فحسب، بل حتى من البشر من يرتدي الأقنعة ومحظوظ من يكتشف ما يخفيه كل كائن وراءه، ويبقى متنبهاً وإلا قد لا يظل حياً”.

وحول بعض اللوحات التي حملت دلالات مموّهة تحتاج للتأمل الطويل لتتضح صورتها بين يدي المتلقي يعلّق المصوّف: “اعتمدت في أسلوبي على الإيحاء، فالمتلقي عندما يقف أمام اللّوحة وسط زخم الألوان والخطوط والأشكال المتداخلة يبدأ بالبحث من خلال عقله الباطن عن أشياء تتعلّق بِذوقه أو ثقافته وذكرياته فيصورها كيفما يشاء وفق إطار معين وإشارات تشعره بوجود ما يرغب في رؤيته وإن لم يرها بشكل واقعي”.

وعن الجدارية المونودرامية يحدثنا قائلاً: “عمل مشروع “جدارية” هو من المشاريــع المحببة إلى نفســــي، فــقد خضت هذه التجربة من قبل في عدة جداريات.

عندما يتوافق العقل مع العين واليد، وتتهيأ الظروف المناسبة، يستطيع الفنان السيطرة على المساحات الموجودة وكأنها لوحة صغيرة، ولاشك قد واجهتني بعض الصعوبات، لكن ليس لها علاقه بالعمل، بل بمحيط العــــمل كالمكان، والــوقت، والمواد”.

16