كهرباء سياسية

فكرة القائمة الانتخابية المشتركة، بين السلطة في رام الله وحماس في غزة؛ سيكون لها في حال وافقت حماس عليها، انعكاسات كهربائية لا تخفى مقاصدها.
الأحد 2021/02/21
بالكهرباء تُنار الزوايا كلها

كان تغييب التيار الكهربائي عن غزة، قرين حصارها وإشقائها. فبالكهرباء تضاء القناديل، ويستدفئ الناس في أماسي الشتاء الباردة، وتدور عجلة الحياة الاقتصادية، ويسهل تدوير عجلة الإنتاج، ويطالع التلامذة كتبهم المدرسية بعيون مستريحة. أما تغييب الكهرباء، فهو من أعمال القهر والضغوط وإشقاء حياة الناس، وتنمية فقرهم، وجعلهم عاجزين عن الحراك والاسترزاق الحلال!

بدا اليوم، أن فكرة القائمة الانتخابية المشتركة، بين السلطة في رام الله وحماس في غزة؛ سيكون لها في حال وافقت حماس عليها، انعكاسات كهربائية لا تخفى مقاصدها. فقد اتفقت الأطراف الثلاثة: قطر ورئاسة السلطة وإسرائيل، على مشروع كهربائي لغزة، في محاولة لاسترضاء الناخبين، وإعادة إنتاج صناديد المرحلة الرديئة. فلا اعتراض من أي طرف، على أن يكون الحل الكهربائي إسرائيليا، يجري بموجبه تخليق عملية إنتاج الكهرباء في غزة، بقوة دفع الغاز الإسرائيلي من حقل “لافتيان”!

هكذا يقولون الآن، ومعنى ما يقولونه، أن أنبوبا ستتكفل قطر ببنائه على الجانب الإسرائيلي، وتستكمله السلطة الفلسطينية على الجانب الآخر، لكي يمتد إلى غزة، وينعش قلوب السكان، قبل موعد التوجه إلى الصناديق.

سينوب الإسرائيليون عن الأطراف الثلاثة في الإعلان عن المشروع، ويقولون إن التيار سيتضاعف، وستنخفض الأسعار على المستهلكين، تبعا لانخفاض كلفة الإنتاج. فقد بلغت كلفة توليد 180 ميغاواط، بالوقود من خلال محطة التوليد في غزة، 22 مليون دولار شهريا، تدفعها قطر والسلطة الفلسطينية، وهذه الكمية من الكهرباء لا تكفي ربع السكان، لكن إنتاج 400 ميغاواط بالغاز الإسرائيلي، لن تزيد كلفته عن خمسة عشر مليونا!

اجتمعت الحكومة الإسرائيلية، للتداول في الصفقة، والنظر بدقة، في الأرباح الاقتصادية التي ستحصدها من خلال الضرائب التي تتحصل عليها من شركة “ديلك” مقابل الخسائر الأمنية التي تزعمها، من خلال تأمين حكم حماس ـ كما تقول ـ وأغلب الظن، أن المسكوت عنه في ذلك التداول، هو التطمينات التي تلقتها، بأن حماس لن تعود إلى الصواريخ!

الإسرائيليون يوازنون بين مخاطر استمرار السلطات الفلسطينية في إفقار الناس ومحاصرتها، على افتراض أن الفاقة تدفع الناس إلى اليأس والتمرد والمقاومة، ومخاطر الموافقة على الحكم الحمساوي. فهذه هي لغتهم وقاعدة حسبتهم. ورجح عندهم في الميزان، خيار إعادة الناس إلى حياتها الطبيعية من المدخل الكهربائي. وفي الواقع، بات السكان، بسبب لا جدوى الخيار المقاوم، يفضلون الحياة الطبيعية. وفي المنظور الاستراتيجي للقطريين وغيرهم، لا يُراد للمقاومة أن تعود. وإسرائيل، من جانبها، تقدر ذلك، ولا تكترث للمزايدات اللفظية المغايرة لهذا الخيار، من قبل الطيف “الإخواني”. فالممولون معنيون بالانتخابات التي يمكن أن تحسم أمر الحكم داخل دورق غزة، في مختبر سياسات الإقليم، وتلك مباراة مضنية، بين المحاور. ويقول الكاتب الإسرائيلي جاكي خوكي في “معاريف” إن إسرائيل اختارت حكم حماس ليس عن محبة فيها، بل لانعدام البديل، وإن قيادتها الأمنية صرفت النظر عن إسقاط الحكم الحمساوي. فـ”المرحلة التي فكرت فيها القيادة الأمنية ومكتب رئيس الوزراء بإسقاط حكم حماس انقضت”.

يمثل هذا التطور، مرآة يمكن لكل طرف أن يرى فيها نفسه وحقيقة موقفه، فعباس ومن معه، ليسوا بدلاء في نظر إسرائيل، وحماس ليست حارسة الفضيلة السياسية في نظر الفلسطينيين، وأغلب الظن أنها لن تتلقى من كادرها الموافقة على قائمة مشتركة، والتطبيع قائم في جوهر المسائل، وبالكهرباء تُنار المواضع والزوايا كلها!

24