كهرمان

ماذا فعل أهل الشرق، غير أنهم جعلوا كهرمان الشرق يغلف كل تلك الشرور في جماليات لا حدود لها؟
الجمعة 2018/03/30
لا تقاوم العين سحره

قدّمت هوليوود مؤخرا ستيفن سبيلبرغ وهو يتحدث عن نفسه في فيلم خاص عن تجربته. ولا شك أن هذا الرجل غيّر بالفعل من نظرتنا للسينما وربما أكثر من السينما أيضا. كان سبيلبرغ يتقصد إحداث ثورة في كل ما يمد يده إليه. وكثيراً ما نعود إلى محطات سينمائية في الخمسين سنة الماضية، لنجد أن سبيلبرغ كان موجوداً فيها بصورة أو بأخرى، منذ “الفك المفترس” وحتى “إي تي” و”جوراسيك بارك”، ثم الأعمال الملحمية ذات البعد الآخر مثل “إنقاذ العريف رايان” و“لينكولن” وغيرهما.

من عقل سبيلبرغ نستحضر ما حدث في تلك الجزيرة المعزولة التي تمت فيها استعادة بيض الديناصورات من خلال إيقاظ حمض نووي غلّفه جمال حجر من الكهرمان حفظه في جوف بعوضة. انظرْ إلى الفكرة.

لكن أخطر ما في الأمر، برأيي، لا يقتصر على تلك الوحوش التي تم تفقيسها، للتسلية والترفيه، في حواضن صناعية، بل يطال الكهرمان الفاتن ذاته الذي لا تقاوم العين سحره. يقال إن هذا الحجر الكريم ليس كغيره من الأحجار التي استعملت للزينة. بل إنه استعمل تاريخياً لتسنين الأطفال، لأنه يعتبر معالجاً قوياً للأمراض، يضفي الحيوية على الجسم ويمتص الطاقة السلبية والألم، وما هو إلا راتينج صنوبري متحجّر يعود إلى أكثر من 50 مليون سنة مضت.

وقبل أيام قليلة قادتني الشاشة من جديد إلى تلك العوالم في الشرق، في فيلم وثائقي استقصائي حمل عنوان “فتنة على ضفاف دجلة”، فيلم بديع ومؤلم معاً أنتجته الـ”بي بي سي” وكتب له السيناريو وقدّمه وأخرجه الصديق الصحافي الفلسطيني فراس الكيلاني. صوّره في حارات الموصل القديمة بشكل أوسع، ثم في بغداد والنجف والقائم والبوكمال، وسط الحطام، وتحت مطارق داعش ونظرائه. ويا لها من صور، ويا له من عالم كان ثم اختفى ولم يعد موجوداً.

ماذا فعل أهل الشرق، غير أنهم جعلوا كهرمان الشرق يغلف كل تلك الشرور في جماليات لا حدود لها؟ ولعله سحر الشرق ذاته، يخفي خلف فتنته فتناً من نوع آخر، استعادوها في حواضن صناعية أيضا أطلقوا عليها زورا اسم البيئات الحاضنة، في اتهام تعميمي ظالم لمجتمعاتهم البسيطة.

ماذا تعني عودة الديناصورات التي حفظوها في كهرمانهم ذاك طيلة تلك المئات من السنين؟ تعني ما نراه اليوم في الشرق، من عودة العصبيات والعنف الغرائزي الذي لا يرحم صغيراً ولا كبيرا، ولا حضارة ولا آثاراً، أيقظ أهل الشرق وحوش العنصرية والطائفية والوحشية، وأبقوا الكهرمان الحقيقي في أيديهم على شكل سبحات لا يكاد الله يذكر في دورات حباتها؟ وإن ذُكر فإنه يُذكر على شكل “فك مفترس”.

24