كهف الجارة صفحات مصورة من تاريخ صحراء مصر

تزدان جدران الكهوف في مصر بالرسومات الملونة لإنسان ما قبل التاريخ‏،‏ وتصور بعضا من مشاهد كانت سائدة في ذلك العصر لأشخاص وحيوانات ونمط الحياة الذي كان يعيشه الإنسان في تلك العصور، ويعتبر كهف الجارة صفحات مصورة لكتاب التاريخ المصري منذ أقدم العصور.
الجمعة 2016/05/20
أنا في انتظاركم

القاهرة - تزخر مصر بالعديد من الآثار التاريخية التي يقصدها السائحون من جميع بقاع العالم، ولعل أحد هذه المعالم هو كهف الجارة الموجود بالصحراء الغربية، فهو يعد من أروع الأماكن في منطقة أفريقيا عموما، وفي الشمال على وجه التحديد.

ويقع الكهف بالقرب من كثبان أبومحرق الرملية وبجوار درب قديم للقوافل يربط واحة الفرافرة في الصحراء الغربية بأسيوط، اكتُشف على يد الألماني جيرهارد رولفز في 24 ديسمبر عام 1873 خلال رحلته في صحراء الفرافرة للوصول إلى واحة الكفرة الليبية، ولكنه لم يكمل الطريق، ورابط في هذا المكان لكي يكتشف معالمه التي ظلت مدفونة بين الرمال حتى الآن.

وانبهر رولفز بجمال الكهف وعظمته، وسجل ذلك في كتابه الشهير عن تلك الرحلة “ثلاثة أشهر في الصحراء الليبية”، لكن الباحثين لم يلقوا الضوء للبحث وراء هذا الكهف، وإلى أي زمن يعود؟ وتفسير ما عليه من رسوم غرافيتية تعود إلى العصور الأولى للإنسان، لكن لم يتوقف الأمر عند هذا الحدّ، بل إنه في العام 1989 جاء كارلو بيرغمان، أحد محبي الصحراء الجدد، لكي يلقي الضوء على هذا الكهف وعلى المخطوطات المتواجدة على حوائطه.

ويرجع تاريخ أول مسح أثري على أسس علمية لتلك الرسوم الموجودة على الكهف إلى العام 1990 على يد عدد من المتخصصين في مجال الآثار من كولونيا وبرلين والقاهرة، واستمر هذا المسح حتى العام 2002، حيث تمت دراسة الكهف ضمن خطة مشروع علمي متكامل.

ساحة الكهف تحتوي على بهو مجوف مملوء بالشلالات الصخرية ذات المنظر الجذاب والرائع

وبُني كهف الجارة نتيجة الماء النقي ومناخ الصحراء الغربية الجاف خلال الملايين من السنين، وهذا ما يجعله مختلفا عن جميع الكهوف الأخرى من حيث الشكل والتكوين، حيث أن العامل البشري لم يتدخل في تكوينه، بل إنه تكون نتيجة طبيعة الحياة، حيث تبدو الأشكال الرسوبية الهابطة والصاعدة كشلالات مياه متجمدة، وذلك نتيجة للملايين من الأمتار المكعبة من المياه الأرضية التي ترسّبت في رمال الصحراء منذ الملايين من السنين، ونتج عنها هذا الكهف الذي تصل ارتفاعاته التكوينية إلى ما بين 3 و4 أقدام.

ومن جانبه، يقول أحمد عبدالفتاح، الخبير الجيولوجي، “كهف الجارة يعد من أهم الآثار المتواجدة في الصحراء الغربية ومصر بصفة عامة، حيث أنه تكون نتيجة العوامل الطبيعية الجغرافية والترسّبات منذ الآلاف من السنين”، مشيرا إلى أن الرسوم الموجودة على جدران الكهف توضح الأنشطة التي كان يقوم بها الإنسان قديما، والتي تؤكد أن الكهف كان مأهولا منذ القدم، حيث توضح النقوش الموجودة على الجدران مظاهر الحياة القديمة.

وناشد المسؤولين عن الآثار ضرورة الاهتمام بالكهف لأنه يعد أثرا ذا أهمية كبرى، وإذا تم الإعلان عن تشغيله بطريقة رسمية سيغيّر مجرى السياحة في مصر، بالإضافة إلى أنه سيشهد زيارات من جميع أنحاء العالم لرؤية هذا الأثر غاية في الجمال.

ويشير عبدالفتاح إلى أن الرسومات الموجودة على جدار الكهف توضح الأنشطة التي كان يمارسها الإنسان قديما مثل الصيد والعديد من الأنشطة الأخرى، والتي ترجع إلى عصر الهولوسين الرطب. فخلال هذه المرحلة سكن المنطقة الصيادون الذين كانوا يقومون بجمع الثمار والتقاطها، مثلما تؤكد الرسومات حالة المنطقة حاليا والتي لم تكن في يوم من الأيام مأهولة بالسكان، لافتا إلى أن ساحة الكهف تحتوي من الداخل على بهو مجوف مملوء بالشلالات الصخرية الصاعدة والهابطة ذات المنظر الجذاب الرائع، والذي من المؤكد أن يلفت نظر أي شخص يراه، وبالتالي يكون مكان جذب للسياح.

الطبيعة تنحت ما يعجز عنه الإنسان

وعن مكونات الكهف وطبيعة شكله، يقول مصطفى بدر، منسق رحلات سفاري بمركز الداخلة “إن الصحراء الغربية تعد من أغنى المناطق التي تحتوي على مناطق أثرية غاية في الأهمية بالنسبة إلى مصر والعالم، فهي تحتوي على معالم الطبيعة الخلابة، ولعل كهف الجارة هو واحد من أهم هذه المعالم، فمدخل الكهف على هيئة فتحة صغيرة في مستوى سطح هضبة الحجر الجيري التي يقع فيها الكهف، حيث أنها تعطي انطباعا للزائر بالهبوط إلى حوض صغير يتكون من الحجر الجيري، ومنه إلى ممر صغير ضيق يشكل حجرة مليئة بالرمال التي تتحرك بفعل الرياح التي تدخل من خارج الكهف إلى داخله.

وقد أثبتت العديد من التحاليل الجيولوجية أن رسوبيات كهف الجارة من الصواعد والهوابط تتكون من الحجر الرملي، على الرغم من أنه متواجد في منطقة من الحجر الجيري.

واللافت للنظر أيضا أن الكهف يشع من داخله نور وكأن الشمس ساطعة بداخله، كما تعد الشلالات الصخرية بمثابة قناديل معلقة تشع نورا وهّاجا، وتمثل الساحة الأساسية للكهف في مجملها مسطحا من 30 مترا مربعا من خمسة إلى ستة أمتار ارتفاعا.

وتعد الصحراء الغربية من أهم صحارى العالم وذلك لما تحويه من آثار هامة، فإلى جانب كهف الجارة هناك أيضا العديد من المعالم الأثرية الأخرى يوجد فيها عدد من الواحات، أهمها الفيوم والخارجة والداخلة والفرافرة والبحرية وسيوة، والتي تضم عددا من الأماكن الأثرية كمعبد هيبس ومقابر البجوات ومعبد الزيان ودير أثري شيد في العصر الروماني، كما تحتوي على عدد من القرى الأثرية مثل قرية بلاط الإسلامية، وقرية بلاط الفرعونية وقرية القصر الإسلامية التي تعود إلى العصر الأيوبي، كما تضم عددا من المحميات الطبيعية مثل “بحيرة قارون”، ومحمية “قبة الحسنة”وغيرهما.

20