كهف الشيطان ولسان هابيل

الاثنين 2013/09/30

ها قد سلّم المجرمُ أداة جريمته، ولكن ماذا عن الجريمة التي ارتكبت بهذا السلاح؟ عرفنا مصير الضحايا، ضحايا الكيماوي، وضحايا ما قبل الكيماوي؟ ولكن ماذا عن مصير المجرم؟ ضبطنا سلاح الجريمة، وتركنا السفاح طليقا. هل أقمنا العدالة؟

ولو كانت الجرائم بلا عقاب، فكم جريمة جديدة سيسمح العالم لنظام الأسد بارتكابها في سوريا؟ كم طفل، كم شاب، كم امرأة، كم شيخ ورجل، كم زوجة وكم أم، كم أخت وكم أخ، كم خال لطفل، وكم عمة لطفلة؟ كم عائلة سيسمح العالم للأسد بإبادتها منذ أن انحنى هذا السفاح المدلل أمام القوة الإمبريالية وسلم سلاحه الاستراتيجي لراعي اسرائيل بحضور راعيه الروسي؟

أي سِفاح هذا؟

كم جريمة إبادة جماعية بسلاح غير كيماوي سيسمح العالم لسفاح دمشق بارتكابها منذ أن وقّع هذا الخسيس على تسليم أسلحته الكيماوية لعدوه «الإمبريالي»، لمجرد أن هذا العدو حرك سفنه جهة الساحل السوري مهددا دولة الجريمة ونظام الموت بنهاية حتمية؟ أم أن الإبادة اليومية للسوريين، بشتى أنواع الأسلحة غير الكيماوية، لا تعتبر جرائم ضد الإنسانية يعاقب عليها القانون الدولي؟

ولكن لماذا يكون القتل بالكيماوي، في نظر العالم، جرائم غير مشروعة ويكون القتل بغير الكيماوي جرائم مشروعة؟ أي معيار لا أخلاقي هذا؟

كم مجزرة مهولة يجب أن يرتكب نظام نزعت عنه شرعيته العربية والدولية حتى يمكن للعالم أن يقول لهذا النظام: كفى. جاء وقت الحساب؟

وماذا على السوريين أن يقدموا للعالم حتى يتوقف عن اعتبار الموت الجماعي اليومي للبشر المطالبين بالحرية قدرا سوريا لابد منه؟

أسئلة، هي مقدمات ليس إلا، لأسئلة لا تني تتناسل من بعضها وتشغل جميع السوريين حول مستقبلهم كشعب.

وفي جدل الحديث عن الكيماوي لابد من القول أن ليس ثمة أوقح من سيرغي لافروف وزير خارجية روسيا عندما يدافع عن بشار الأسد ونظام الجريمة الجماعية في دمشق، مطالبا العالم عدم توجيه الاتهامات والإدانات باستخدام النظام السوري للسلاح الكيماوي في غوطتي الشام، دون براهين، وليس ثمة أخبث من روحاني رسول خامنئي إلى العالم عندما يضع جزرة النووي في جوار هدية الكيماوي.. وقد استبقها بشالوم رأس السنة العبرية. لكن يدي روحاني ملطختان بدماء السوريين.

ولنعد إلى فرية لافروف، ما هي البراهين المقنعة للعالم أكثر من 1500 ضحية بريئة ثلثهم من الأطفال، وجميعهم اختنقوا في الهزيع الأخير من الليل ولفظوا أنفاسهم، التي يطالب بها لافروف؟

ولو ضربنا صفحا عن مصادر هذا السلاح المميت، وقد بدأت الوثائق تتكشف تباعا مؤكدة هويته الروسية، وطرائق إنتاجه وتحضيره وتخزينه، وإطلاقه، جلها روسية، فإن ما لا يمكن إنكاره ولا المرور عليه، أن الكرملين الذي أحبط بشراكة صينية على مدار ثلاثين شهرا من القتل كل القرارات الأممية التي حاولت وقف الجريمة ولجم آلة الموت المسلطة على الشعب السوري الثائر، هو شريك يومي في الجريمة، وراع لفظائع النظام ومدبر للمخارج المحتملة للهروب من العقاب الذي يحاول نظام دمشق الإفلات منه، وقد تحولت جرائمه، من قبل حتى إطلاق الكيماوي في 14 حادثة موثقة، إلى درجة الإبادة الجماعية، وما أجمع العالم على تصنيفه في خانة الجرائم ضد الإنسانية. ويدخل في هذا التوصيف كل أمر عسكري، وكل تنفيذ لهذا الأمر بإطلاق صواريخ سكود الروسية على المدن والبلدات الآهلة بالسكان المدنيين ناشرة الدمار والموت، والتشريد ومروعة السكان.

لقد أبلى لافروف بلاء شريرا في الدفاع عن النظام، وفعلت شراكة روسيا لإيران فعلها الجرائمي المنكر، ولولا الفيتو الروسي- الصيني الذي شلّ مجلس الأمن وعطل الإرادة الدولية، لما أمكن لنظام الجريمة في دمشق أن يجعل من سياسة الأرض المحروقة التي اتبعها بحق شعبه، أمرا ممكنا وواقعا كابوسيا يوميا، واصله النظام على مدار أكثر من سنتين ونصف السنة، على أمل أن يفعل العقاب الجماعي فعله في تدمير الحواضن الشعبية للمدن الثائرة، تمزيقا وتهجيرا، وبالتالي انفضاضا عن الثورة.

لكن ذلك لم يحصل، رغم كل ما تعرض له شعب الثورة من محن وبلاء وكوارث وأهوال وفواجع تركع لها الجبال. احتمل السوريون كل ما رآه العالم من صور الموت والدمار، ولم يتراجعوا عن ثورة آمنوا بها، وأعطوها أغلى ما يملكون، وأذهلوا العالم بشجاعتهم وتضحياتهم الجماعية.

لا جديد في هذا الكلام. ولا جديد، أيضا، في كلام آخر لابد أن نردده، فالسوريون يرددونه يوميا في شوارع موتهم: لقد خاننا العالم. العالم رأى في ضميره عقبة أمام مصالحه. فتخلى عن ضميره، وتخلى عن السوريين.

لذلك لم يبق أمام السوريين اليائسين من نجدة المجتمع الدولي لهم، وقد أكلت المرارة أكبادهم جراء النكران الذي حاق بثورتهم على الطغيان، سوى الله يستجيرون به، ويرفعون إليه قرابينهم اليومية.

أما وقد شرّعت الجريمة السورية أبواب سوريا على الجحيم، وتدفق القتلة والمنقذون من كل فج، ليقتتلوا على جسد سوريا الذبيح، فلا يلومن السوريين أحد، إن هم وجدوا أنفسهم مشتتين موزعين بين هذا وذاك، وقد فجعوا بشهدائهم وديارهم وفجعوا بالصديق قبل العدو، وهاهم اليوم في مأساة تولد من مأساة، والعالم بين متفرج على مآسيهم، وضالع فيها.

ولا جديد في هذا، أيضا، فقد بات القلق الإقليمي، والقلق الدولي من جهنم الأرض السورية بعض ملح الجريمة، وسطراً يومياً في خطابات الأمم بصدد المسألة السورية.

لعبت روسيا، ولعبت أميركا، ولعب الغرب والشرق، الدول الكبيرة والدول الصغيرة، إيران وإسرائيل، والاستطالات المحلية لهذه وتلك من مليشيات مذهبية، وأخرى قومية، الجميع ولغ بدم الضحية، ولم يبق لاعب إلا وكان له سهم، في استثمار الدم السوري، وعلى مدار الساعة كان الجميع يعمل، وبلا كلل، على وأد هذه الثورة الجبارة والإجهاز عليها، فهي ثورة حرّة بلا سقف ولا حدود.

ولا جديد في هذا، ولكن لا يظنن أحد أن السوريين خدعوا أنفسهم، عندما ثاروا مبكرين قليلا أو متأخرين كثيرا على نظام عات، فالسوريون الذين تنسموا الحرية في خروجهم على الطغيان، لم يكونوا من السذاجة إلى الحد الذي يجعلهم يتصورون قيامهم على طغاة كآل الأسد، نزهة في بستان «الربيع العربي».

فما كان «سوريا- سوفياتية» تصرف السلاح الروسي وتعطي العسكرية الروسية المنكفئة قاعدة في طرطوس، وورقة إقليمية في جيب الكرملين، كان «سوريا-أميركية» تبادل السي آي إيه المعلومات عن الإرهابيين، والغزل من وراء ظهر العشيق الروسي.

وما كان «سوريا- مقاومة» تحتضن ميليشيات الشقاق الفلسطيني، كان «سوريا-مخاتلة» (40 عاما من حماية الشريط الإسرائيلي الشائك في مستعمرة الجولان). وما كان «سوريا-عربية» بلسان طويل وخطاب قومي، كان «سوريا-إيرانية» جعلت من دمشق الولاية 35 من ولايات قم، وملعبا من ملاعب الحرس الثوري، وممرا لأسلحة اللعبة الإيرانية في المنطقة.

وما كان «سوريا-بعثية» كان «سوريا-المافيا الطائفية» التي ركزت مقدرات البلاد في يد حفنة من العسكر العلوي وفي فلكهم طوائف من الخدم المنتفعين. وما كان سوريا-الشقيقة الكبرى للبنان، كان سوريا-البلوى اللبنانية القائمة على تجارة المخدرات ولغة الاغتيال للخصوم السياسيين.

وما كان «سوريا-قومية»، كان سيارات مفخخة وشاحنات من المتطرفين المصنعين في معسكرات النظام أشعلوا مدن العراق موتا ودمارا، وروعوا العراقيين تحت يافطة الجهاد ضد الغزاة الأميركيين.

تلك هي سوريا الدولة الوظيفية التي أعارت نفسها لكل الألاعيب الإقليمية والدولية، والتي ثار السوريون على طغمتها العائلية الفريدة في فسادها ووحشيتها ولا وطنيتها، العائلة المتمترسة وراء طائفة اختطفتها وجعلتها حطبا لها.

والسوريون عرفوا كم من القرابين سيقدمون للمجتمع الدولي حتى ينتبه إلى أن هذا الكيان القروسطي الإجرامي لابد من زواله، فهو ليس إلا «كهف الشيطان»، تعبير لصديق، لا أجد الآن أفضل منه في وصف «سوريا» التي انتفض عليها السوريون وقد كان كل واحد منهم مواطنا في وضع أسير.

كان فخر سوريا أن كل عربي يمكنه أن يزورها بلا فيزا، عندما كان السوري يحتاج إلى فيزا ممهورة بـ 16 خاتم من خواتم الاستخبارات للخروج من البلاد.

لم تعد مائدة الأولياء الأربعين في قمة قاسيون الذي ولدتُ في سفوحه بدمشق التي اختطفها النظام وتمترس فيها معلنا «إسبرطته» الخادعة التي يخطط للخروج منها حيا. لم تعد هذه المائدة الصخرية ذات اللون الوردي، التي طالما فتش خيالنا الطفولي بحثا عنها، لم تعد مائدة التاريخ الدمشقي، ولكنها صارت «مائدة الشيطان» وقد أقام قصره في جوار الكهف الذي قتل عنده قابيل شقيقَه هابيل، ولسان الجبل يصرخ من هول الجريمة وصمت العالم.

________


* شاعر سوري

9