كهنة وأباطرة وحروب

الأحد 2016/10/16

يبيح التعصب والتشدد والتمسك الجنوني بالسلطة إفناء المختلف بحجج متنوعة ولا يتورع المتعصب والمستبد والطاغية عن استخدام جميع الوسائل البشعة والتفسيرات الذرائعية للدين والأيديولوجيا والدساتيرالوضعية ليفتك بجميع معارضيه حفاظا على سلطته أو مكانته المهددة، فيعمل فتكا بالناس وتدميرا في الأرض.

كان ثمة تحالف مصيري بين الأباطرة والباباوات في القرون الوسطى فقد تم تسييس الدين وتوظيفه لضمان حماية الثروة والنفوذ وإحكام الهيمنة على عقول الجموع مسلوبة الإرادة، وتفاقمت حينها حملات الكنيسة على المفكرين بتعذيبهم وحرقهم والاستيلاء على ممتلكاتهم بحجة هرطقتهم وزندقتهم، وتواصلت حملات حرق الغنوصيين والإريانيين والمانويين وبعض المسيحيين الذين تجرأوا وناقشوا موضوع الخير والشر والإله الرحيم. واعتبر البابا إينوتشينسو الثالث أن “المهرطقين أشد خطرا من الكفار” وهو الشعار ذاته الذي يرفعه المتشددون وداعش في شن الحروب ذات القناع الديني على من يختلف معهم وقد سبقتهم إليه ادعاءات الحملات الصليبية على المشرق.

في مواجهة هيمنة الكهنة وتسييس الكنيسة وتسييرها للحكام والأباطرة باعتبارهم مخوّلين من السماء لممارسة السلطة وقف كثير من المسيحيين ضد تلك الهيمنة وناهضوها بقوة فحصلت تمرّدات في أسبانيا وجنوب فرنسا لكن الجيوش الصليبية المتحالفة حسمت الأمر واجتاحت المدن ومنها مدينة بيزيير الفرنسية سنة 1209. وسجّل مؤرخو الحملة سؤالا وجهه أحد قادة الجيش الصليبي إلى مندوب البابا “كيف بوسعنا في المدينة المفتوحة أن نتعرّف على الكاثوليك الصالحين الحقيقيين ونميزهم عن الزنادقة المعارضين؟”، فأجابه مندوب البابا المشهور بتعصبه وهو المصاحب للقائد الصليبي الشهير سيمون دو مونفورت “اقتلوهم جميعا والرب سيتعرّف على أهله”.

ادعت السلطات الملكية الأوروبية التي نفدت خزائنها أنها تروم تحرير الأماكن المقدسة من الطغيان الإسلامي فكانت الحملات الصليبية عسكرية ذات غطاء ديني في ظاهرها وذات أهداف اقتصادية في حقيقتها، وعلى أساس هدفها الديني المعلن انضمت حشود الفقراء الجياع الطامعين باللقمة والفردوس إلى الحملات -مثلما يحصل اليوم مع الشباب المحرومين مغسولي الأدمغة ممن ينتمون للمتشددين وداعش مخدوعين بوعود أخروية ومكافآت دنيوية جنسية- إذ كانت الحملات الصليبية تجند بالقوة مجموعات من البغايا والسبايا للترفيه عن المقاتلين ومن التحق بهم من الشباب الذين فروا من استعباد الإقطاعيين لهم ولكن سرعان ما كانوا يلقون حتوفهم أو يسرق تجار العبيد أفواجا منهم لبيعهم عبيدا على سواحل مصر والأناضول.

استفادت أوروبا ثقافيا من الحضارتين البيزنطية والإسلامية في حملاتها الفاشلة عسكريا ولكي تتجنب المواجهات المتواصلة التي أنهكت اقتصادها وجيوشها وعجزها أمام الهيمنة العربية والعثمانية على حوض المتوسط توصل الحكماء من الطرفين إلى عقد اتفاقات تعايش وتبادل تجاري وثقافي غير أن اختراقات كثيرة كانت تجري كعمليات القرصنة وأخذ الرهائن وسبي النساء، ومقابل ذلك قام العثمانيون وبدهاء ماكر باختيار عدد كبير من المرتدين المسيحيين (المتحولين إلى الإسلام قسرا ممّن كانوا يعاملون كطبقة أدنى في كنائس الصرب) ووضعوهم في أعلى المناصب في الإمبراطورية العثمانية ثم خفتت بالتدريج المواجهة ذات الطابع الديني بعد تدمير القسطنطينية عاصمة بيزنطة تدميرا كاملا في الحملة الصليبية الأخيرة.

لقد فجرت الحرب الصليبية التي بدأت سنة 1095 حروبا ممتدة عمّقت الهوّة بين العالمين الغربي والإسلامي ولكن الأوروبيين كما يذكر مايكل أنجلو ياكوبوتشي في كتابه “أسباب اللاتسامح ومظاهره” -وكانوا يعيشون ظلمات القرون الوسطى- اغترفوا من الإنجازات المادية التي أنتجتها الحضارة الإسلامية كالرياضيات والكيمياء والفلسفة وتواصل التأثر الثقافي حتى ظهرت ثورة ترف غيّرت نمط الحياة لديهم حين تعرفوا إلى العطور والتوابل والمنسوجات الثمينة المجلوبة من الشرق.

كاتبة من العراق

11