كوابح سياسية تعرقل تطوير العلاقات بين مصر والسودان

تحسن العلاقات مرهون بجدية الخرطوم في ملف المتطرفين، فيما تحتفظ العلاقات السودانية–المصرية بدرجة من الحذر في التعامل مع القضايا المشتركة.
الأحد 2020/05/10
علاقات متذبذبة

تتوقع أوساط سياسية تحسن العلاقات السودانية – المصرية بعد تداول معلومات عن عزم حكومة الخرطوم تسليم عناصر تابعة لجماعة الإخوان المسلمين والمطلوبة جنائيا في القاهرة بعد أن أبدى السودان تقاعسا في هذا الملف، ومع ذلك يصطدم تقدم العلاقات بخطط الإسلاميين في السودان الساعين إلى عرقلة مسارها وإعادتها إلى مربع الصفر، إضافة إلى تعمد بعض الأطراف استغلال ملف سد النهضة لتنغيص العلاقات بين البلدين.

جرى تداول معلومات خلال الأيام الماضية حول عزم الحكومة السودانية تسليم مصر خمسة من عناصر حركة “سواعد مصر” المسلحة التابعة لتنظيم الإخوان المسلمين والمطلوبة جنائيا في القاهرة، وعزز الكشف عن هذه الرغبة توقعات ذهبت إلى إمكانية تصحيح العلاقات بين البلدين، وتصويب العديد من مساراتها السياسية التي بدت أقل من طموحات القيادتين.

جاءت التكهنات عقب أيام قليلة من وصول أربع طائرات مصرية إلى مطار الخرطوم محملة بمعدات طبية لمساعدة السودان في مكافحة فايروس كورونا، وهو ما وجد أصداء جيدة على المستويين الشعبي والرسمي، وقلل من حدة الاحتقانات المكتومة التي تلعب عليها بعض الجهات الرافضة لتطبيع العلاقات بين القاهرة والخرطوم، واستثمارها في استمرار توتير الأوضاع، وقد تختلقها أحيانا كلما تواصلت بوادر الهدوء.

تحتفظ العلاقات بدرجة من الحذر في التعامل مع القضايا المشتركة، فلا هي تميل نحو الدفء تماما ولا هي تدخل في فتور يقود إلى خصام، ويظل الود موجودا دون أن يصل إلى الوفاق، عكس الأمنيات التي صاحبت ثورة الشعب السوداني على نظام الرئيس عمر البشير خلال العام الماضي، وحملت نسمات لطي صفحة قاتمة وفتح أخرى جديدة على قاعدة عداء النظام السوداني الانتقالي للتيار الإسلامي.

جاءت التطورات اللاحقة بما لا تشتهي سفن القاهرة والخرطوم. فالأخيرة لم تظهر تعاونا كافيا في ملف مكافحة الإرهاب الذي يؤرق الأولى، ولم تتجاوب مع قوائم العناصر الإرهابية التي قُدمت لها لتسليمها، وبدا التعاون في هذا الفضاء بطيئا، كأنها تخشى تبعات تحرك حاسم من هذا النوع، واقتصرت أعمال لجنة إزالة التمكين على الشق الداخلي، من ملاحقة للفاسدين والمجرمين ممن ينتمون إلى النظام السابق ومصادرة لأموالهم.

أصبحت مطاردة القيادات والكوادر الإسلامية المتطرفة بعيدة عن مهام اللجنة والأضواء المسلطة عليها، وحتى الجهات الأمنية المسؤولة عنهم لم تقدم أدلة كافية تثبت تبني مقاربات جادة في هذا الملف، وهي التي ألقت القبض على نحو سبعين من العناصر المصرية المتطرفة المقيمة في السودان، ولم تعمل على تسليمهم للقاهرة حتى الآن.

عندما وقعت محاولة اغتيال فاشلة استهدفت رئيس الحكومة الانتقالية عبدالله حمدوك في فبراير الماضي، أشارت أصابع الاتهام إلى فلول النظام السابق، لكن التحقيقات لم تكشف عن اعتقالات واسعة لهذا الغرض في صفوف الحركة الإسلامية وروافدها الحركية.

تنسيق محدود

أخفقت أجواء التفاؤل التي سادت بعد زيارة رئيس الاستخبارات المصرية اللواء عباس كامل للخرطوم، وتمت في اليوم نفسه الذي حدثت فيه محاولة الاغتيال، في تأكيد التعاون الأمني في مسألة العناصر الإرهابية المطلوبة من القاهرة، وتوقف التنسيق تقريبا عند الحدود الدبلوماسية.

بمعنى آخر تقاعس السودان عن تسليم أسماء كثيرة، مستندا إلى حجج مختلفة، ربما تكون الإدارة المصرية متفهمة لطبيعة الظروف الصعبة والمشكلات والتحديات التي تمر بها السلطة الانتقالية في الخرطوم، غير أنها تنظر إلى عملية التعاون في ملف المتطرفين عموما كدليل دامغ على الرغبة الحقيقية في دفع العلاقات المشتركة إلى الأمام.

تدرك قوى إسلاموية سودانية خطورة التعاون بين البلدين، وتصمم على نشر العراقيل والأباطيل، ووضع العلاقات على فوهة بركان، وكلما استشعرت تحسنا في زاوية، سياسية أو أمنية أو اقتصادية أو فنية، حشدت أدوات تفشيل التحسن، وافتعلت معارك جانبية، وتؤلب قطاعا من المواطنين على السلطة الانتقالية في الخرطوم، وتمنح الجسم العسكري فيها اهتماما خاصا، لأنها تخشى أن يؤدي تعاونه مع القاهرة إلى تغيير حاسم في منظومة القيم العدائية التي عمل نظام البشير على تكريسها ضد مصر، ولا تزال ملامحها حاضرة حاليا.

دعك من المعزوفة التاريخية التي ترددها دوائر عدة بخصوص الاستعلاء والاستغلال، أو حتى “الاستعمار” المصري – البريطاني للسودان، فمن السهولة دحضها من خلال الرد عليها بوجود الملايين من المواطنين الذين يقيمون في مصر منذ سنوات بصورة طبيعية، وانظر إلى الحالة السياسية والإعلامية الخشنة الراهنة، فرغم رحيل نظام البشير لم ترحل معه الرواسب التي ترسخت نحو مصر، وهناك من يطربون لإشعال الحرائق السياسية.

كأن هناك فريقا سودانيا يتفرغ لزيادة السخونة وعدم مبارحة الخلافات لمكانها، والحض على استمرار مكونات التوتر حية في القضايا المزمنة ورفض تخطيها، ويقود الحرص على تفجيرها من وقت إلى آخر لتعكير المياه الصافية التي تستعد للجريان في نهر العلاقات بين البلدين، استنادا على حزمة من المصالح العليا.

تفجير قضايا شائكة

فشلت القاهرة في استمالة السودان إلى صفها في ملف سد النهضة الإثيوبي، وحافظت الخرطوم على موقفها الداعم لأديس أبابا، وهو ذاته الذي ساد طوال فترة حكم البشير. وكلما أوشك على التغير أو مالت الحكومة لتبني آخر محايد، اشتعلت مواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام المؤيدة للحركة الإسلامية في التحريض على مصر، وإعادة الإسطوانة المشروخة إزاء التذكير بالنزاع القائم حول مثلث حلايب وشلاتين والغطرسة المصرية، والقضايا الاجتماعية التي يفضي تفجيرها إلى ردع أي خطوات إيجابية.

يبدو ملف سد النهضة من الموضوعات الشائكة التي يستغلها البعض للتنغيص على النظامين في مصر والسودان، حيث تُتهم الأولى بأنها تسعى للهيمنة على المياه، وترفض المشروعات التنموية لدول المنطقة، ولم يتقدم حمدوك خطوة لتأكيد جديته في القيام بوساطة أعلنها قبل نحو شهرين بين القاهرة والخرطوم، ولم ينفذ وعده بزيارة العاصمتين، أو يطرح مبادرة قابلة للحياة، وكل ما خرج منه تصريحات لتطييب الخواطر السياسية.

قوى إسلاموية سودانية تدرك خطورة التعاون بين البلدين، وتصمم على نشر العراقيل والأباطيل، ووضع العلاقات على فوهة بركان

تجاهلت السلطة الانتقالية التحذيرات التي أطلقها خبراء مياه حول وجود مخاطر يحملها سد النهضة بالنسبة إلى السودان، وتجاوزت النداءات التي طالبتها بإعادة التفكير في موقفها الداعم لإثيوبيا، ليس حبا في أو مجاملة لمصر، بل دفاعا عن مصالح الشعب السوداني المعرضة لخسائر جمة حال اكتمال بناء السد من غير توفير الضمانات الفنية اللازمة.

ظهرت معالم استجابة الحكومة للمخاوف التي يثيرها البعض حول انجرارها نحو القاهرة ووصمها بالتبعية، في عجزها عن صياغة موقف يضعها في خندق واحد معها، وتسبب الخضوع للابتزاز في استمرار الصعود والهبوط وعدم الاستقرار على أي منهما، حيث تخشى الخرطوم من توطيد التعاون والذهاب إلى مدى بعيد فيه وما يحمله من اتهامات بتقديم تنازلات أو التفريط في حقوق سودانية، وما إلى ذلك من منظومة مكررة في مثل هذه الحالات.

تحريض الإسلاميين

قد تكون جهات متباينة في السلطة الانتقالية، بشقيها العسكري والمدني، على يقين من أن التعاون مع القاهرة في ملفي مكافحة الإرهاب وسد النهضة مفيد من النواحي الإستراتيجية، لكنها لا تستطيع التحرك بما يتواءم مع هذا التقدير الحيوي، وتفضل أن تبقى الأوضاع ساكنة إلى أقصى مدى لتتجنب اتهامات تصل إلى مستوى دمغها بـ”العمالة والتواطؤ” وكي يتسنى الانتهاء من المرحلة الانتقالية دون تكبد خسائر كبيرة.

تشد بعض القوى السياسية السلطة الانتقالية بقوة إلى أسفل، وترفض أن تمنحها فرصة لتوثيق العلاقات مع مصر في المستقبل، كما تعمل جهات خارجية على رفع درجة التخريب عبر الدعم الذي تقدمه الأحزاب الإسلامية، وعدم الكف عن تحريض المواطنين تجاه أي بادرة إيجابية تتخذها الخرطوم نحو القاهرة.

علاوة على ترديد نغمة سادت عقب الإطاحة بنظام البشير، وتنادي بتثبيت أركان السودان نحو الدائرة الأفريقية، ومع كل ما يحمله هذا الطريق من مغالطات سياسية وأمنية، لكنه يجري توظيفه بتعظيم الفوائد التي يحملها هذا الاتجاه في مسألة قطع الصلة مع مصر أو على الأقل فرملة أي اندفاع لتعزيز عروبة السودان.

قادت هذه التجاذبات إلى احتفاظ الخرطوم بمراوحة تقبل التأخر وترتضي به مع كل ما يحمله من أضرار، ولا تقبل التقدم مع كل ما يمكن أن يأتي به من مكاسب. وهي صيغة لم تعد خافية على كثيرين، ويتم استخدام مفرداتها في كل مرة تلوح فيها نية لتطوير العلاقات مع القاهرة.

لذلك سوف تظل هذه المعادلة كابحا سياسيا قويا لتصفية القضايا الخلافية بين الجانبين، وتحافظ على حد أدنى من التماسك في حالتي الصعود والهبوط، لأن التخلي عنهما يمكن أن ينقلب وبالا على الجميع، حيث يمتلك كل طرف أدوات تمكنه من التأثير على حسابات الآخر.

6