كوابيس البريكست تقلب موازين الرأي العام البريطاني

مراقبون يشيرون إلى أن المخاوف ستتصاعد إلى حافة الهاوية مع اقتراب موعد أكتوبر الذي يصعب تأجيله، وسيزداد عدد الخائفين الذين سيغيرون موقفهم من جنة البريكست الموعودة.
الخميس 2018/08/02
إعداد خطط الطوارئ

اتسعت ملامح رحلة الانقلاب على ورطة البريكست مع اقتراب الموعد النهائي للتوصل إلى اتفاق للانفصال عن الاتحاد الأوروبي بحلول أكتوبر المقبل. وبدأت السيناريوهات الكارثية التي يمكن أن يواجهها البريطانيون في حال عدم التوصل إلى اتفاق بين لندن وبروكسل.

من الصعب حصر جميع التفاصيل لكنها تبدأ بانهيار منظومة إمدادات الغذاء والأدوية ورحيل معظم المصارف والمؤسسات المالية وموت حي المال في لندن وصولا إلى توقف معظم القطاع الصناعي وخاصة صناعة السيارات بسبب ارتباط نشاطها بالاتحاد الأوروبي.

وقد أحدثت تلك الكوابيس تأثيرها في الرأي العام، حيث أظهر عدد من أهم استطلاعات الرأي أن أكثر من نصف البريطانيين أصبحوا يؤيدون إجراء استفتاء ثان على عضوية الاتحاد الأوروبي وبفارق يصل أحيانا إلى 10 بالمئة عن رافضي إجراء استفتاء ثان.

من المؤكد أن المخاوف ستتصاعد إلى حافة الهاوية مع اقتراب موعد أكتوبر الذي يصعب تأجيله، وسيزداد عدد الخائفين الذين سيغيرون موقفهم من جنة البريكست الموعودة.

أخطر تلك السيناريوهات هو ما كشفته الصحف البريطانية عن أن الحكومة وضعت خططا لنشر وحدات الجيش للتصدي لاحتمالات نقص الأغذية والأدوية والوقود إذا انهارت العلاقات التجارية مع الاتحاد الأوروبي دون التوصل لاتفاق.

ورغم نفي الحكومة إلا أن محللين يقولون إنها مضطرة لذلك النفي، لمنع انتشار الهلع بين البريطانيين، خاصة أن المحللين يؤكدون أن ذلك النقص في الإمدادات يمكن أن يحدث بالفعل.

وفي أعقاب نشر تلك الخطط الكارثية لجأت وسائل الإعلام إلى المئات من الخبراء الذين أجمعوا على أن بريطانيا يمكن أن تتعرض لاضطراب غير مسبوق في الإمدادات، بسبب اعتمادها الشديد على استيراد أكثر من نصف ما تستهلكه من الغذاء والذي يأتي معظمه من بلدان الاتحاد الأوروبي أو من خلالها.

ويشيرون إلى استقرار منظومة الإمدادات على خطط قصيرة الأجل لا يمكن تغييرها بسهوها لتخزين الغذاء لمواجهة حالات طارئة مثل انهيار العلاقات التجارية مع الاتحاد الأوروبي وارتباك حركة التجارة.

هناك أيضا تلويح مجموعة أيرباص التي لديها نشاطات واسعة في بريطانيا بوقف معظم تعاملاتها مع بريطانيا وإعلان عشرات المصارف وآخرها دويتشه بنك عن خطط لتصفية نشاطاتها في بريطانيا.

سفينة البريكست التي تترنح على صخور المخاوف فقدت جميع قادتها، الذين تواروا عن الأنظار بعد استقالة وزير الخارجية بوريس جونسون ووزير البريكست ديفيد ديفز وعشرات الصقور الآخرين ولم تعد قادرة على دحض الأدلة المتزايدة على أن الاقتصاد البريطاني يمكن أن يواجه كارثة غير مسبوقة.

لم يعد هناك سوى أصوات قليلة تصر على أن بريطانيا ستكون قادرة على عقد شراكات تجارية مع الولايات المتحدة والصين واليابان وأستراليا والهند وكندا وغيرها بطريقة تخدم الاقتصاد البريطاني بطريقة أفضل من الوضع الحالي.

لكنهم يتجاهلون أن بريطانيا لديها علاقات تجارية مع تلك الدول من خلال الاتحاد الأوروبي وأنها لا يمكن أن تحصل على شروط أفضل من تلك التي حصلت عليها كتلة كبرى يزيد عدد سكانها على نصف مليار نسمة.

كما يتجاهلون أن المفاوضات التجارية مع أي من تلك الدول يمكن أن تستغرق سنوات طويلة، إضافة إلى أن اليابان وكندا أبرمتا اتفاقات للتجارة الحرة مع الاتحاد الأوروبي وتحاول الصين التوصل لاتفاق مماثل، في حين أن الأسبوع الماضي شهد تفاهما بين واشنطن وبروكسل يشير إلى سعي لتحرير التجارة بالكامل.

تحطمت سفينة البريكست مع أول اختبار حقيقي، حين رسمت رئيسة الوزراء تيريزا ماي خارطة أولية خجولة لما يتعين على بريطانيا أن تقبله في الطلاق الأوروبي.

لم تقترب ماي سوى خطوة صغيرة جدا من حقل الألغام الواسع وهي الإشارة إلى إمكانية الالتزام بمعايير الاتحاد الأوروبي في تجارة السلع من أجل التغلب على أكبر العقبات وهو الاضطرار لإنشاء حدود صارمة بين أيرلندا الشمالية وجمهورية أيرلندا وهي قضية حساسة يمكن أن تؤدي إلى تفتت المملكة المتحدة.

تلك الخطة الخجولة، التي لا يمكن أن يقبلها الاتحاد الأوروبي كانت كافية لتحطم سفينة البريكست، فما بالك لو داست ماي على جميع الألغام التي يمكن أن تمزق الاقتصاد والخارطة البريطانية.

السؤال الآن هو حجم الألم الذي ستتحمله بريطانيا قبل أن تصحو على أن إعادة عجلات التاريخ إلى الوراء وأن فض اشتباك ملايين الأنشطة البريطانية والأوروبية يكاد يكون مستحيلا.

هناك طريقان لا ثالث لهما أمام بريطانيا. في الأول تصحو بريطانيا مبكرا وتكتفي بورقة توت صغيرة تشير إلى استعادة سيادتها والبقاء داخل السوق الموحدة التي تشمل حركة السلع والأشخاص لتصبح مثل النرويج وسويسرا خارج الاتحاد لكنها تطبق جميع قواعد الاتحاد الأوروبي.

مخاطر هذا الخيار هو حدوث انقسام عميق في المجتمع البريطاني يمكن أن يهدد الاستقرار، لأن أنصار البريكست سيشعرون بخيانة نتائج الاستفتاء وتبقى أحلامهم بجنة الانفصال عن الاتحاد الأوروبي حية وقد تزداد مشاعر العداء للأجانب والاعتداء عليهم.

في الخيار الثاني تمضي بريطانيا في طريق الانفصال إلى حافة الهاوية وسيؤدي ذلك إلى انحدار كبير في قيمة الجنيه الإسترليني الذي قد تقل قيمته عن اليورو وربما حتى عن الدولار، إضافة إلى انهيار اقتصادي واسع يشمل أسعار العقارات.

في هذا السيناريو من المتوقع أن يحدث تحول هائل في الرأي العام حين تصل آلام البريكست إلى جيوب جميع البريطانيين فتفجر أوهام البريكست ويتراجع البريطانيون عن تلك الورطة لتبدأ رحلة لملمة الجراح والبقاء داخل الاتحاد الأوروبي.

السؤال هو: ما هي درجة الألم التي سيتحملها البريطانيون قبل أن يصحوا على استحالة تنفيذ البريكست.

10