"كواليس".. فيلم سوري يبحث عن العدالة المفقودة

السياق الدرامي لفيلم "كواليس" يحيل إلى قراءة حجم الفساد المجتمعي والقضائي المستشري في سوريا والذي في حاجة إلى حادث عنيف حتى يُوقفه ويُغيّره نحو الصواب.
الثلاثاء 2020/09/15
قسوة الحياة اليومية تطال الصغار قبل الكبار

تزخر السينما العربية الشابة بطاقات فنية خلاّقة، تُحاول أن تُرسّخ حضورها السينمائي بشكل مختلف، بعضها تسلّح بمعرفة سينمائية أكاديمية مكّنته من تحقيق رؤاه الفنية التي يروم الوصول إليها، فعرفت أعماله النجاح، وبعضها الآخر اقتحم عالم السينما من باب الهواية، ليُحقّق بدوره تفرّده الجمالي كطبيب الأسنان السوري أسامة عبيدالناصر كاتب ومخرج فيلم “كواليس” الذي تم عرضه أخيرا.

دمشق- يلج فيلم “كواليس” سيناريو وإخراج أسامة عبيدالناصر فضاءات جديدة تنحو به نحو سينما المهمّشين والباحثين عن أحلامهم في عالم مليء بالفوضى والزيف والعنف.

والفيلم المُنتج حديثا من قبل المؤسسة العامة للسينما بسوريا، تتقاطع فيه مسارات متعدّدة لشخوص تبحث في يوم واحد عن العدالة الاجتماعية والقانونية التي تُسحق تحت رحى الحياة اليومية ونظم المجتمع المتخلفة والفاسدة.

أحداث تتعاقب تباعا تجعل أبا متسلّطا يزوّج ابنته بالإكراه لشخص لا تحبه، في حين يظهر رجل آخر تعوّد ضرب زوجته ممّا يسبّب لها عاهة دائمة، وشخص آخر تقوده الظروف إلى الانتحار تحت قسوة الروتين اليومي، وفي ملمح آخر تُشترى ذمة قاض فاسد، ويُمنع زواج عاشقين لأسباب تافهة. كل هذه المصائر تلتقي في الفيلم لتروي لنا طيفا من المعاناة التي يعيشها الناس بقسوة وبشكل يومي.

حدث مفاجئ

المخرج أسامة عبيدالناصر

اعتمد الفيلم في بناء الأحداث الدرامية على أسلوب التشويق المتصاعد، وصولا إلى الذروة التي أوجدها من خلال تساوق البنية الدرامية فيه مع أسلوب المونتاج المتوازي الذي حكمه زمن واحد جمع كل هؤلاء في لحظة واحدة في القصر العدلي (المحكمة).

فبينما كان التائه على سقف المبنى يستعدّ للانتحار، يصل الحبيب المفجوع بزواج حبيبته، كذلك تنتظر الزوجة بدء الجلسة للنطق بالحكم، بينما يتمّم العاشقان إجراءات زواجهما. لكنّ حدثا ما غير متوقّع يحصل في الأثناء، فيغيّر خارطة التموضعات ويُبعثرها من جديد.

انفجار إرهابي يحدث في القصر العدلي، يوقف الخطوط مرة واحدة ويُحيل السياق الدرامي للفيلم إلى المزيد من الأسئلة التي تتمحور حول منح الناس فرصة جديدة للحياة وفق ظروف أفضل، كما تُحيلنا في قراءة موازية إلى أن حجم الفساد المجتمعي والقضائي المستشري في سوريا في حاجة إلى حادث عنيف حتى يُوقفه ويُغيّره نحو الصواب.

وفيلم “كواليس” أو “قابل للطعن” من إنتاج المؤسسة العامة للسينما بسوريا، سيناريو وإخراج أسامة عبيدالناصر، وتمثيل كل من روبين عيسى وكفاح الخوص ورامز عطالله ووسيم قزق وياسر البحرة وتوليب حمودة،  ولوريس قزق ودريد رحال وأحمد عيد ومحمد شما ورجاء اليوسف والطفل طالب قاضي.

يحمل أسامة عبيدالناصر القادم من مهنة طب الأسنان هاجسا سينمائيا خاصا، استطاع من خلاله أن يحقّق لنفسه خلال سنوات قصار مكانة جيدة وجدية في خارطة السينما السورية الشابة.

وهو الذي قدّم بعد تخرّجه من دبلوم العلوم السينمائية وفنونها الذي تقيمه المؤسسة العامة للسينما في سوريا العديد من الأفلام، كان منها ما لفت النظر إليه كإحدى الطاقات الفنية الهامة على غرار فيلمه “نخب ثاني” الحاصل على جائزة أفضل سيناريو وأفضل فيلم في النسخة الخامسة من مهرجان سينما الشباب والأفلام القصيرة الذي يقام سنويا بدمشق، كما حقّق الجائزة الفضية في مهرجان شرم الشيخ بمصر وجوائز أخرى بالجزائر.

الجمع بين مهنتين

المرأة ضحية الأعراف والتقاليد البالية
المرأة ضحية الأعراف والتقاليد البالية

عن دخوله عالم السينما رغم تخصّصه في الطب ومدى التأثير بينهما، يقول عبيدالناصر “لا أعتقد بوجود ما يمنع الجمع بين مهنتين، فعليا المزج بين المهنتين لم يكن قرارا بقدر ما  هي رغبة قديمة للعمل في السينما سبقت حتى مرحلة الدخول لكلية طب الأسنان، ومع الأيام  لم تتلاش وتمت محاولة تطويرها ضمن فترة الدراسة في الكلية من خلال ورشات عمل مصغرة للإخراج والاشتراك بمسابقات السيناريو، وأخيرا كان الانتساب لدبلوم العلوم السينمائية”.

ويعترف الطبيب/ المخرج بأن عمله كطبيب أسنان منحه رفاهية الاختيار في مجال العمل الفني، بمعنى عدم اضطراره إلى الاشتغال أو الانخراط ضمن مشاريع قد لا تتناسب مع رؤيته الفنية وما يطمح إلى بلوغه في مجال السينما وصناعة الدراما عموما.

ويُوضّح قائلا “يعني قد يكون عملي في طب الأسنان بمثابة حصانة لخطواتي في المجال الفني لكي تكون هذه الخطوات ثابتة قدر الإمكان. بالنسبة لي أجد في السينما الوسيلة الأكثر صدقا والأكثر مقدرة على التعبير عن وجهة نظرنا في الحياة، ثانيتان أو ربما ثانية واحدة قد تكون كفيلة لضخّ وإيصال كم هائل من المشاعر والتجارب الحسيّة، في الوقت الحالي أحاول قدر ما استطعت الموازنة بين العملين، أما في قادم الأيام فكل شيء وارد”.

وعن حضور القيم المعنوية للجوائز في هاجسه الإبداعي والفني يقول أسامة عبيدالناصر “على اختلاف أهمية الجوائز من مكان إلى آخر، إلاّ أنها قد تكون في مكان ما بمثابة وثيقة اعتراف لموهبة حاملها، وأعتقد أن كل سينمائي في بداية طريقه هو بحاجة لهذا الاعتراف، بالتأكيد رأي الجمهور وردّة فعله تجاه المنجز السينمائي يحملان أحد الأمكنة الأساسية في تقييم هذا المنجز إن لم يكونا الأهم، إلاّ أن الرأي النقدي والذي قد يتوّج بجائزة ما هو ما يمنح الصفة الشرعية لموهبة صاحب المنجز”.

ويراهن عبيدالناصر على طرح مشاكل تخصّ أناسا عاديين تحاصرهم المشكلات اليومية في إطار اجتماعي قلق، وضمن حالة فرجوية تقدّم لهم الفائدة والمتعة، وهو يرى أن الفيلم “كواليس” يطرح مجموعة من الأسئلة من خلال الحالات التي تعيشها شخصيات العمل ضمن سياق الأحداث. مصائر تلتقي وتفترق وسط المدينة بحثا عن عدالة ما.

كواليس

ويقول “راق لي الجدل الذي أحدثه الفيلم بعد عرضه وتحديدا في العشر دقائق الأخيرة من مجرياته، هل كان انغماس المجتمع في الفساد والتطرف سببا أو نتيجة لهذا الخراب الذي نعيشه من حولنا؟ هل يمكن للخراب نفسه أّن يكون حلا لبدايات جديدة وأن يكون فرصة ثانية لإعادة ترتيب الأوراق؟ إضافة إلى كل ذلك فإن عامل التشويق أو المتعة بالفيلم موجود هنا”.

ويعتقد المخرج السوري الشاب أن الغلاف أو الحامل الأساسي لبنية الفيلم السينمائي يجب أن يكون قائما تحت شرط متعة الفرجة، ثم ليندرج تحته كل ما يُريد  إيصاله من أفكار أو أسئلة يودّ طرحها، وهو ما حاول إنجازه في فيلمه الجديد “كواليس” وفي محاولاته السينمائية السابقة أيضا.

وهو يرى أن المحافظة على هذا النوع من التوازن بين المحتوى والمتعة تكاد تكون المهمة الأصعب للمخرج، موضحا “بمعنى أنه ليس من الضروري أن تكون كل شرائح الجمهور قادرة على تفكيك كل رمزيات الفيلم، أو أن يخرج حاملا لسؤال ما، لكن من المهم أن يخرج ممتنا للدقائق التي سلبناها من وقته”.

16