كوباني لن تكون شاهدة قبر

الخميس 2015/02/12

أثارت المبادرة التي طرحها عدد من الكتاب والشخصيات الكردية الكثير من اللغط والتساؤلات حول ماهيتها وأهدافها، اقترح بيان مقدم إلى إدارة كوباني “الإبقاء على ركام كوباني، وجعل المدينة المنكوبة متحفا يزوره الناس من مختلف أنحاء العالم، وتراه الأجيال القادمة، للاطلاع بأم أعينهم على حجم البطولة والتضحيات التي قدمها مقاتلو كوباني جميعا من وحدات حماية الشعب، ومن وقف معهم من المتطوعين، ومن البيشمركة، ومن الجیش الحر، الذين قاتلوا داخل كوباني ضد عدوان داعش”.

يبدو الأمر في البداية مشحونا بعواطف حسن النية، وخصوصا أن الأعلام الكردية عادت لترفرف فوق سماء المدينة المنكوبة، بعد أن تمكنت الوحدات المقاتلة من دحر مقاتلي دولة الإسلام، إلاّ أن هناك تساؤلات تطرح وتتعلق بهذه المبادرة، ومدى تأثير هكذا أفكار عن تحويل مدينة مأهولة بالناس إلى متحف، بحيث تتحول إلى مزار للفرجة واجترار المشاعر.

إن محاولة التقاط لحظة تاريخية بالرغم من كل ما تحمله من بطولة، تجعل سكان هذه المنطقة عالقين في نوستالجيا المأساة، التي قد تجعل حتى المواطنين أنفسهم أقرب إلى الممثلين الخاضعين لفعل الفرجة، حيث تتم إعادة إنتاج هذا الخراب بوصفه حاضرا.

التفكير في هكذا مبادرة سيحول كوباني إلى حالة أسطورية تبعدها عن الواقعية والمشاركة في حركة التاريخ، هكذا حالة موجودة في المنطقة، فمدينة بيروت حتى الآن ما زالت حافلة بآثار الخراب والحرب الأهلية، ففي منطقة “داون تاون” مازالت السينما التي تضررت أثناء الحرب ماثلة كما هي لم يطرأ عليها أي تغيير، وآثار الرصاص ما زالت منتشرة في أحياء كالأشرفية وما حولها.

كل هذه المعالم حوّلت المدينة إلى صيغة تعيد اجترار آثار الحرب الأهلية، وكأن تجاوز ما حصل مستحيل، هناك أجيال يعاد إنتاجها فكريا بصورة مقولبة، فبطولات الآباء وخساراتهم يجب أن تنتقل إلى الأبناء، وزر تاريخي لا يمكن التخلص منه وهو يعيد تكريس خلافات الماضي.

صحيح لا يمكن نسيان التضحيات التي قدمها قاطنو المدينة وبطولاتهم، لكن دون أن ينسحب الأمر على معظم المنطقة، هل من الجدوى أن نقوم بتحويل حماة إلى متحف يشهد على مجازر نظام الأسد؟

أغلب مدن سوريا منكوبة، آثار الخراب والموت مازالت ماثلة للعيان، تركها على حالها يرسخ خطاب العنف ويعيد إنتاج كراهية جديدة، لا يقتصر الأمر على الخسارات، هناك مؤسسات بأكملها وأحياء تشهد على الفساد وعلى السرقات التي تعرفها مدن سوريا.

قلب العاصمة دمشق يحوي مسجدا في ساحة المرجة يسمى بـ”يلبغى”، هل يترك على حاله كشاهد على فساد وزارة الأوقاف السورية، بعد سنوات طويلة من عدم اكتمال بنائه وتحوله إلى ما يشبه الهيكل العظمي في وسط العاصمة.

لا يمكن نسيان الخسائر التي مرت بها كوباني ولا أي مدينة سورية كذلك، لكن أيضا لا يمكن التوقف عند لحظة تاريخية وتحويلها إلى متحف، ففي ذلك اغتيال لإنسانية البشر وقاطني المنطقة وتحويلهم إلى تحف أثرية، إلى كائنات عابرة للتاريخ بوصفهم وثيقة أو صورة فوتوغرافية تمّ استغلالها وسيتم استغلالها في سبيل درّ التعاطف.

كوباني لن تكون متحفا للوحشية، فعودة الحياة إلى وتيرتها في المدينة دليل على استمرارها، وأيضا على الجانب الآخر ريف دمشق والمدن السورية المحاصرة، لن تتحول كلها إلى معالم أثرية تؤرخ للديكتاتورية والبطش الذي يمارسه نظام الأسد، ففي ذلك تكريس لهذه الديكتاتورية وإعادة إنتاجها.

جاء في نص البيان أن “هذا القرار صعب، إلاّ أننا نراه مهما وتاريخيا، وقد يكسب هذا القرار تعاطف شريحة كردية وعالمية واسعة، وربما قد تعقب ذلك مؤتمرات محلية ودولية حول هذه الفكرة، وكيفية تطبيقها”.

كوباني ليست بحاجة إلى تعاطف، ولا أيّة مدينة سورية أخرى، دحر العدوان والقضاء على الديكتاتورية، هو وسيلة لتجاوز الويلات التي تشهدها سوريا، في سبيل الوصول إلى سوريا حرة ديمقراطية، لا إلى وسيلة لجلب الاستعطاف والدموع والتكسّب من معاناة الشعب.

16