كوبا الثورية ومصالحة الشيطان الأميركي

الأحد 2015/05/10
مصير الدولة الأيديولوجية في متاهات البراغماتية

واشنطن - بعد قطيعة دامت أكثر من نصف قرن صافح الرئيس الأميركي باراك أوباما الرئيس الكوبي راؤول كاسترو في قمة أبريل للأميركيتين في بنما والتي عدّت مشاركة كوبا فيها حدثاً تاريخيا بعد انقطاع طويل، تلك المصافحة اعتبرت من قبل كثير من الدول اللاتينية انتصاراً لإرادة كوبا، وتعبيراً عن موقف موحد لدى الدول اللاتينية من واشنطن بخصوص كوبا وعدد من قضايا القارة.

قوبلت المصافحة بالدهشة من قبل الرأي العام الأميركي، الأمر الذي دفع باليمين المتطرف في الولايات المتحدة للقول إنها حركة رمزية لا قيمة سياسة لها، نظراً لأن كوبا لا تشكل قوة سياسية أو اقتصادية كبيرة مقارنة مع الدول اللاتينية الأخرى كفنزويلا مثلا.

علاقات ومراقبة

الانفتاح على كوبا يعدّ اليوم محاولة جدية من الإدارة الأميركية الحالية لحصد نقاط في سياستها الخارجية التي أصبحت محط انتقادات الكثيرين، وقد أكد أوباما بأن النهج الجديد في العلاقات الأميركية الكوبية من شأنه أن يخلق الكثير من الفرص للشعبين الأميركي والكوبي معا، وأن الخيار الأفضل في التطبيع مع هافانا على الصعيد السياسي والاجتماعي والاقتصادي مع الكوبيين، سيكون هو من خلال مراقبة دور منظمات المجتمع المدني وحقوق الإنسان فيها.

بدأ التغير في العلاقات الكوبية الأميركية من خلال إطلاق سراح السجين الأميركي والعامل في الوكالة الأميركية للتنمية آلان غروس، والذي قضى في سجون هافانا خمس سنوات منذ عام 2009 والذي اعتبر حجر الأساس للاتفاق التاريخي بين البلدين، وكان أوباما عند توليه الرئاسة في ولايته الأولى قد قام بتخفيف العقوبات عن كوبا والانفتاح عليها قليلا وذلك بالسماح لشركات قطاع الاتصالات بالعمل على تقديم الخدمات الخلوية والأقمار الصناعية في كوبا وسمح للمواطنين الأميركيين بإرسال تحويلات مالية لأهداف إنسانية عائلية والسفر إلى كوبا لأسباب تعليمية أو دينية، ولكن اعتقال غروس عكّر هذا الانفتاح الأميركي الحذر أساسا، من نظام كاسترو الشيوعي. جاء اعتقال غروس كورقة ضغط أراد كاسترو منها الإفراج عن الكوبيين الخمسة وهم ضباط استخبارات اعتقلوا في ميامي في العام 1998 وحكم عليهم في عام 2011.

العلاقات السرية تبدأ بين كوبا وأميركا في العام 2012 وتستمر أكثر من عام ونصف العام، وكانت قد انطلقت من ملف الجاسوس الأميركي رولاند ساراف تروخيوو، الذي لعب دورا هاما في تزويد السي آي إيه بمعلومات هامة للغاية، بعد تغلغله في عمق المخابرات الكوبية

عداء علني وعلاقات سرية

يعود التوتر في العلاقات الكوبية والأميركية إلى زمن الحرب البادرة، بعد استلاء فيديل كاسترو وتشي غيفارا ومجموعة الثوار الشيوعيين على السلطة في العام 1959 ونجاحهم في الإطاحة بالرئيس فولغينسيو باتيستا.

حينها عمد كاسترو ونظامه الشيوعي إلى زيادة التعامل التجاري بين بلاده وبين الاتحاد السوفياتي آنذاك، وقام بتأميم العديد من ممتلكات الولايات المتحدة ورفع الضرائب على الواردات الأميركية. فكان رد واشنطن هو بخفض واردات السكر الكوبية وفرض حظر على حمّى الصادرات الكوبية والتي طورها الرئيس جون كينيدي إلى حصار اقتصادي شمل حتى فرض قيود على السفر إلى كوبا. وتمت القطيعة فعليا بين البلدين في العام 1961 لتبدأ عمليات الاستخباريات السرية الأميركية بالعمل على إسقاط نظام كاسترو.

سلسلة كبيرة من العمليات باءت جميعا بالفشل، الأمر الذي جعل من نظام هافانا التوجه النهائي إلى الاتحاد السوفياتي والاتفاق معه سرا على بناء قاعدة صواريخ على الجزيرة، وبعد اكتشاف واشنطن لهذه الخطط قامت بفرض حظر بحري على الجزيرة الكوبية، وطالب الرئيس كينيدي آنذاك بتدمير قاعدة الصواريخ، لتنتهي الأزمة الكوبية الأميركية باتفاق ينص على تفكيك القاعدة الصاروخية مقابل تعهد الولايات المتحدة الأميركية بعدم غزو كوبا.

تعيش كوبا جاراً لدوداً لأميركا طيلة زمن الحرب الباردة حتى انهيار الاتحاد السوفيتي، الذي لم يدفع واشنطن إلى تتغيير سياستها تجاه كوبا ونظام كاسترو، بل على العكس تماما، فقد زادت أميركا من حصارها له، بعد تمرير قانون ديمقراطية كوبا في العام 1992 وقانون هيلمز بيرتون القاضي بالحرية والتضامن الديمقراطي في العام 1996 والذي نص على أن مقاطعة كوبا لن تنتهي إلا بانتخابات نزيهة والتحول إلى حكومة ديمقراطية يستبعد كاسترو عنها.

بدأت المباحثات السرية بين كوبا وأميركا في العام 2012 واستمرت أكثر من عام ونصف العام، وكانت قد انطلقت من ملف الجاسوس الأميركي رولاند ساراف تروخيوو، الذي لعب دورا هاما في تزويد الاستخبارات المركزية الأميركية بمعلومات هامة للغاية، بحكم كونه كان قد تمكن من التغلغل في عمق المخابرات الكوبية ليزج به في سجون كاسترو لمدة عشرين عاما. قامت حينها واشنطن بإطلاق سراح خمسة ضباط كوبيين من سجونها وتخفيف القيود والحظر المالي والخدمات المصرفية على كوبا. وقامت كوبا بالعمل على تخفيف قبضتها الأمنية وذلك بالإفراج عن ثلاثة وخمسين سجينا كانت تعتبرهم الولايات المتحدة الأميركية معارضين سياسيين لنظام كاسترو الشيوعي وقامت وزارة الخارجية الأميركية من جهتها بالنظر في ملف كوبا وإزالتها من قائمة الدول الراعية للإرهاب.

ولكن ملف حقوق الإنسان الكوبي بقي مصدراً للقلق بالنسبة إلى كثير من المنظمات الحقوقية وكذلك صانعي القرار الأميركي. حيث قال تقرير هيومن رايتس ووتش في العام 2014 إن كوبا لا تزال تواصل سياسة القمع للأفراد والجماعات المعارضة للحكومة.

وذكرت هيومن رايتس ووتش كوبا حينها أن نظام كاسترو لا يزال “يواصل قمع الأفراد والجماعات الذين ينتقدون الحكومة أو الدعوة لحقوق الإنسان الأساسية” وطالبت بوقف كل الاعتقالات والقيود المفروضة على منع السفر، والضرب، وغيرها من الممارسات التعسفية بحق المعارضة الكوبية.

لا يزال الكونغرس الأميركي يسيطر على قرار رفع العقوبات الاقتصادية على كوبا، حيث عبر أعضاء الكونغرس في كلا الحزبين الحاكمين عن قلقهم من إلغاء قانون هيلمز وأصر كل من أعضاء مجلس الشيوخ من أصول كوبية العضو الجمهوري ماركو روبيو والعضو الديمقراطي روبرت مينينديز أنه لن يحصل إلغاء لهذا القانون على المدى القريب

انفتاح اليانكي على ثوار الغابات

ورغم كل تلك التحفظات، فقد صدرت بالفعل تعليمات جديدة بخصوص التعامل مع كوبا، بداية هذا العام 2015، وذلك برفع حظر السفر والتجارة المشتركة، والسماح للمسافرين من الولايات المتحدة بزيارة كوبا دون الحصول على ترخيص من الحكومة، وكذلك السماح لشركات الطيران بالسفر من كوبا وإليها، ورفع الحظر الاقتصادي والمالي والسماح باستخدام بطاقات الائتمان الأميركية في كوبا. وكذلك السماح لشركات التأمين الأميركية بالعمل في القطاع الصحي والتأمين على الحياة والسفر للذين يعيشون في كوبا أو يزورونها، وبالإضافة إلى التسهيلات المصرفية في المعاملات المأذونة والسماح لشركات الاستثمار الصغيرة بالعمل مع شركات كوبية وكذلك السماح بتوريد مواد البناء لكوبا.

ولا يزال الكونغرس يسيطر على قرار رفع العقوبات الاقتصادية على كوبا، حيث عبر أعضاء الكونغرس في كلي الحزبين الحاكمين في واشنطن، عن قلقهم من إلغاء قانون هيلمز، وأصر كل من أعضاء مجلس الشيوخ من أصول كوبية العضو الجمهوري ماركو روبيو والعضو الديمقراطي روبرت مينينديز أنه لن يحصل إلغاء لهذا القانون على المدى القريب، وأن أي انفراج لن يؤثر على وضع حقوق الإنسان المتردي في كوبا.

الجالية الكوبية الأميركية في جنوب فلوريدا والتي تشكل 5 بالمئة من سكان ولاية فلوريدا تلعب دور السهم المؤثر في السياسة الأميركية تجاه كوبا في كل من الحزبين الديمقراطي والجمهوري، وذلك عبر عقود من الزمن، وقد حذرت مرارا من أن أيّ انفتاح على نظام كاسترو سيكون سياسة محفوفة بالمخاطر السياسية. وفي هذه الولاية التي تعد هامّة للغاية في أي انتخابات رئاسية أميركية وتعتبر من الولايات المتأرجحة، واظب كل من الديمقراطيين والجمهوريين على استمالة الجالية الكوبية والتي كانت تقليديا ركيزة من ركائز دعم الجمهوريين في كل الانتخابات الرئاسية منذ العام 1980.

إعادة كوبا إلى المجتمع الدولي

وبعد نجاح الرئيس أوباما في انتخابات 2012 وفوزه بأصوات فلوريدا وبحسب الكثير من المحللين والخبراء كان هذا مؤشرا على تغير الجالية الكوبية في ميامي في سياستها تجاه كوبا. وهذا ما أكدته استطلاعات الرأي والتي قام بها عدد كبير من الصحف الأميركية كالواشنطن بوست والإي بي سي نيوز والتي وجدت أن 74 بالمئة من الشعب الأميركي مع إعادة العلاقات مع كوبا وإلغاء الحظر الاقتصادي والمالي على الجزيرة.

واليوم يشيد كثير من الدول ومنظمات حقوق الإنسان بتطبيع العلاقات الأميركية الكوبية ويعتبرونها خطوة في المسار الصحيح لإعادة كوبا للمجتمع الدولي، وأن سياسة العزل التي اتبعتها واشنطن ولأكثر من خمسة عقود لا يمكن أن تسفر عن تحسن في ملف حقوق الإنسان الكوبي، كما رأى الأمين العام لمنظمة الدول الأميركية (OAS)، خوسيه ميغيل أنسولزا الذي لم يخف سعادته بهذا التقارب متمنيا على كوبا في ظل الإصلاح الاقتصادي الذي تقوم به في عهد الرئيس راؤول كسترو العمل على الإصلاح السياسي.

ويرى خبراء شاركوا في قمة أبريل للأميركتين أننا نشهد بداية “حقبة جديدة” في علاقات نصف الكرة الغربي والتي أسفرت عن خسارة مالية لكوبا تقدر بـ 1.126 ترليون دولار أميركي بحسب تقارير الأمم المتحدة.

7