كوبا بعد 50 عاما من العزلة

السبت 2014/12/20

إذا أردنا أن نحصي قائمة بأسوأ أحداث العام 2014 لامتلأت لائحتنا بالعناوين التي قد تثير الفضول والسخرية في آن معا.

فالعام الذي يوشك على لملمة أيامه يكاد يكون الأسوأ في تاريخ الولايات المتحدة الأميركية وبالتحديد في علاقاتها مع الدول العربية، حيث تحول ربيع هذه الدول الذي انتظرته شعوبها طويلا إلى جحيم تسوده الشعارات المشحونة بالتخلف والظواهر السياسية التي ستكون من الصعب إعادة تصحيح مسارها.

وإذا كانت الصحوة الأميركية الأخيرة تجاه كوبا قد أتت بعد نصف قرن من الحصار والعقوبات والمؤامرات والانقلابات التي لم تستطع زعزعة النظام فيها، فقد بقيت الجزيرة الحالمة ترفع صور تشي غيفارا وكاسترو عدو الولايات المتحدة التقليدي غير آبهة بجارها الرأسمالي.

بعد السنوات الخمسين من العزلة أخفقت وحان الوقت لانتهاج مقاربة جديدة، ولكن هل أخفقت أميركا في كوبا فقط، وجاء الرئيس باراك أوباما ليعيد النظر في ما كان يشكل شعارا أساسيا لكل الرؤساء الذين تعاقبوا على الحكم قبله، وهو غزو الجزيرة وتحويل خليجها إلى بحر من الدماء.

في الواقع تكاد الإخفاقات الأميركية لا تحصى، وبالتحديد في ظل الإدارة الحالية التي انحدرت فيها السياسة الأميركية في منطقة الشرق الأوسط إلى مستوى لم تألفه من قبل.

فهذه الإدارة المربكة غابت عن لعب أي دور فعال في منع أو التصدي للعديد من الأزمات التي تهدد أمن المنطقة والعالم. وبالتالي لم تمتلك رؤية واضحة لإدارة الصراع إلا ضمن المعاير الاستنسابية والآنية المرتكزة على ردود الفعل دون الفعل بحد ذاته.

أمام تطور القوى الدينية المتطرفة، كانت إدارة الرئيس أوباما لا تملك من الردع سوى الطائرات المقاتلة لسد ثغرة تقدم وانتشار هذه القوى، وغياب المساعدات الفعالة أدى إلى فوضى عارمة داخل سوريا والعراق، بل وعلى امتداد البلاد العربية.

ولعل الأهم من ذلك هو أن الولايات المتحدة فقدت الكثير من مصداقيتها في العلاقة مع شعوب المنطقة وحركات التحرر فيها وفي مقدمتها الثورة السورية.

لقد دفعت الثورة السورية الكثير من رصيدها البشري والجغرافي نتيجة مواقف الرئيس أوباما من نظام الأسد والتغاضي عن جرائمه وإطلاق الوعود الكاذبة بتسليح المعارضة المعتدلة، مما أدى إلى تقليص دورها لمصلحة القوى المتطرفة، وساهم أيضا أو ساعد، إلى حد كبير، في توسع “داعش” في سوريا والعراق.

فإدارة الرئيس أوباما لم تكن مطالبة بإرسال جنودها إلى سوريا لدعم الثورة، إنما تقديم المساعدات العسكرية النوعية لمواجهة الجسور الجوية الإيرانية والروسية التي بقيت تمد النظام بالسلاح والرجال والبراميل المتفجرة.

يقول هنري كسينجر وزير الخارجية الأميركي السابق: “تحت رئـاسة باراك أوباما أصبحنا مـتفرجين” في الشـرق الأوسط وإنه ينبغي عدم التفريق في التعامل مع “داعـش” سواء كان في سوريا أو العراق، “وكان من المفترض أن نكون تعاملنا مع هذه المسألة منذ وقـت طويل”.

تعيش الولايات المتحدة اليوم أزمة أخلاقية كبرى في علاقاتها مع الشعوب العربية في المنطقة وعلى الرغم من التضحيات التي قدمتها طوال فترة تواجدها في العراق لم تستطع التأسيس لعلاقة واضحة وشفافة مع هذه الشعوب.

والتغاضي عن مئتي ألف قتيل وملايين المهجرين داخل وخارج سوريا من أجل حماية نظام سجله يحفل بالجرائم والقتل والمعتقلات، سيضع الولايات المتحدة، وشعاراتها كمدافعة عن الديمقراطية، أمام أزمة أخلاقية أخرى تتمثل في عزمها على استخدام حق النقض “الفيتو” ضد مشروع القرار المقدم إلى مجلس الأمن والرامي إلى إنهاء الاحتلال الإسرائيلي خلال سنتين.

يبدو أن الرئيس أوباما الذي استهلك حتى الآن وفي ولايته الثانية أربعة وزراء للدفاع، من مدارس سياسية وعسكرية مختلفة، لم يستطع أي منهم التعايش مع إدارته، فهذا يعني أننا أمام رجل لم تشهد الولايات المتحدة رئيساً مثله، وعلى هذه الدرجة من الإرباك في اتخاذ القرارات المصيرية.

وفي عهده لم تصبح أميركا من المتفرجين فقط على قتل الشعب السوري وتمدد “داعش”، بل هي من الجالسين في الصفوف الخلفية.


كاتب لبناني

5