كوبنهاغن تحتفي بالأفلام الوثائقية السورية

يُقام في كوبنهاغن يومي السابع والثامن من سبتمبر الجاري، مهرجان أيام الوثائقيات السورية في دورته الأولى، لتحتفي كوبنهاغن في “سينما تِك” بمجموعة من العروض السينمائية التي تتناول ما يحدث في سوريا لمخرجين سوريين.
الأربعاء 2018/09/05
الوهم بفكرة إعادة الإعمار في فيلم "طعم الإسمنت"

كوبنهاغن – يستمد الفيلم الوثائقي شرعيته من الحياة نفسها، فالأيام هي التي تشكل مادته الخام الأولى بما تحمله من أحداث يعود المخرج إلى وضعها ضمن رؤاه الفنية بأساليب متعددة، لهذا فالفيلم الوثائقي يُمكن اعتباره عالما مصغرا، يتقرّر الطريق إلى رسائله بأسلوب مختلف مع كل مشاهدة جديدة، وهذه الوسيلة في التعبير يعود تاريخها إلى الأفلام الأولى التي صنعها الإخوة لوميير عام 1895، تلك الأفلام التي قامت على فكرة تسجيل الصورة المتحركة، أي التقاط اللحظة من الزمن وإعادة تقديمها أمام الجمهور، لحظات كانت حاسمة في صناعة السينما، حيث كانت إعلانا بالانتقال إلى عصر الصورة المتحركة بعد أن فقدت الصورة الفوتوغرافية الدهشة التي قابلها بها العالم لحظة حدوثها.

توثيق اللحظة

عقب الأحداث العالمية الكبرى تنشغل الأفلام الوثائقية بإعادة تشكيل الواقع من خلال معالجته فنيا، هكذا كان الحال في السنوات التي تلت الحرب العالمية الأولى والثانية وما رافقها من دمار البنية التحتية للبلدان، وانهيار العقد الاجتماعي والاقتصادي فيها، وما تبِع ذلك من فقر وبؤس ونزوح ولجوء وتشرُّد، لهذا فقد احتفظت الذاكرة الجمعية للبشرية بالكثير من المشاهد التي تم اختزانها من دمار برلين واجتياح باريس أو سقوط العثمانيين.

ولأن التاريخ، كما يُقال، يعيد تقديم ذات الأحداث عبر شخصيات وأمكنة وأزمنة مختلفة، فقد انشغل المخرجون السوريون بتوثيق اللحظة خلال السنوات الماضية، مع الأخذ بالاعتبار اختلاف الزمان والمكان، لهذا كان الإمساك بدراما اللحظة واقعا انعكس في العديد من الأفلام السورية التي تم إنتاجها وإخراجها خلال السنوات القليلة الماضية، فتعدّدت الثيمات التي تناولتها تلك الأفلام بين المواجهات العسكرية وأثرها على المجتمع، والسجون وأهوالها، أو النزوح واللجوء والتشرد وفقد الأوطان، بينما ذهبت أفلام أخرى إلى تناول السوريين وقصصهم في البلدان الجديدة التي اتخذوها مكانا للسكنى.

وضمن هذا الإطار تقع اختيارات مهرجان أيام الأفلام الوثائقية السورية الذي يقام الجمعة والسبت في العاصمة الدنماركية، حيث تحتفي كوبنهاغن بمجموعة من الأفلام الوثائقية السورية الطويلة التي تتناول ما يحدث في سوريا منذ سنوات، عبر مسارين رئيسيين اثنين هما: الوهم بفكرة إعادة الإعمار من خلال فيلم “طعم الإسمنت” للمخرج السوري زياد كلثوم، والتعذيب في السجون السورية من خلال فيلم “تدمر” للمخرجة الألمانية مونيكا بورغمان، وفيلم “قصص فوق التعذيب” للمخرج السوري محمود حسنكي.

وعن ولادة فكرة المهرجان يقول عاصم سويد لـ”العرب”، وهو سوري يقيم في الدنمارك منذ ثلاثة أعوام تقريبا وسبق له المساهمة بفعاليات المعهد الثقافي السوري الدنماركي التابع لجامعة كوبنهاغن الحكومية، وأدار المقهى الثقافي السوري في العاصمة الدنماركية لعام تقريبا قبل أن يتفرغ لتنظيم مهرجان أيام الأفلام الوثائقية “إنّ فكرة هذه الفعالية وُلدت نتيجة الحاجة إلى إيصال الصورة الأوضح عن سوريا للجمهور الدنماركي، حيث أن الإعلام المحلي ينقل الصورة غير كاملة المعالم لجمهوره المتابع”.

عاصم سويد: المهرجان يساعد في إيصال الحقائق عما يحدث في سوريا للأوروبيين
عاصم سويد: المهرجان يساعد في إيصال الحقائق عما يحدث في سوريا للأوروبيين

وتمتلك الدنمارك، كما يصفها سويد، العديد من الباحثين والعاملين في الشأن السوري من منظمات المجتمع المدني والإعلامي وغيرها، لكن أكثر ما يحتاجه الجمهور الأوروبي وخصوصا في الدنمارك هو الاستماع للسوريين أنفسهم دون حواجز، وفي سبيل تحقيق هذا الأمر سيقوم المهرجان باستضافة مخرجي الأفلام المشاركة للقاء مباشر مع الجمهور، حيث يدير الندوات المرافقة للمهرجان كل من المدير السابق للمعهد الدنماركي بالعاصمة السورية دمشق، آندريز هازغوب، وسونا هاوبولي من معهد الدراسات الشرق أوسطية بجامعة كوبنهاغن.

والأفلام المشاركة في المهرجان هي: “طعم الإسمنت” للمخرج السوري زياد كلثوم، والذي حاز فيلمه على خمس جوائز عالمية، حيث يرافق المخرج من خلال المشاهد العديد من عمال البناء السوريين في بيروت، أولئك الذين يعملون على تشييد ناطحات السحاب، ولا يُسمح لهم بمغادرة مواقع البناء “بما أنهم لاجئون”، بينما تتعرض منازلهم في سوريا للقذائف والقنابل، أما في الليل فيلتفون حول شاشة تلفزيون صغيرة ليتابعوا أخبار وطنهم الذي غادروه، بينما تسيطر عليهم مشاعر القلق والألم مع معاناتهم اليومية من أبسط حقوقهم الإنسانية.

أما الفيلم الثاني، فللمخرج السوري محمود حسنكي تحت عنوان “قصص فوق التعذيب” الذي يروي عبر معتقلين في السجون السورية يوميات طاحنة خاضها أولئك خلال فترة اعتقالهم، أما الفيلم الثالث فهو “تدمر” للمخرجة الألمانية مونيكا بورغمان التي وثّقت من خلاله شهادات خاصة لمعتقلين لبنانيين في السجون السورية، وسبق لبورغمان العمل على ملفات وثائقية تتعلق بالشرق الأوسط، من بينها فيلمها “المجزرة” الذي روت من خلاله ما حدث في صبرا وشاتيلا، لكن من زاوية القاتل.

أما فيلم “يوم في حلب” للمخرج والممثل السوري علي الإبراهيم، فيدور حول الأطفال في مدينة حلب خلال العمليات العسكرية، وانشغالهم بالرسم على الجدران رغم الموت الدائر والهاجم من كل أبواب المدينة، ومن ذات الجغرافيا، يُعرض فيلم “زهرة حلب” للمخرج التونسي رضا الباهي الذي اتجه نحو الجانب الإنساني في البشر، حيث رافق أما تونسية سافرت إلى حلب لإعادة ابنها الذي ذهب للقتال في سوريا.

ويكون ختام الأفلام الستة التي ستعرض في الدورة الأولى من مهرجان أيام الوثائقيات السورية بكوبنهاغن مع فيلم “300 ميل” للمخرج السوري عروة المقداد، وهو فيلم يدور بين كاميرا المخرج الشاب وكاميرا “نور” ابنة أخيه، ليلقي الضوء على المسافات التي صارت واقعا صعبا بعد انطلاق الاحتجاجات عام 2011، حيث ينفصل المخرج عن ابنة أخيه 300 ميل من مسافات مقطَّعة رمزيا وجغرافيا، ليطرح تساؤلات مختلفة عبر شخصيتي “عدنان” طالب الفلسفة والناشط في الحراك المدني، و”أبي يعرب” المقاتل والقائد في الجيش الحر.

السينما والمتلقي

عن دور هذه الفعاليات في تسليط الضوء على ما يحدث في المنطقة العربية بعيدا عن نشرات الأخبار، يقول منظِّم الأيام الوثائقية السورية في كوبنهاغن، عاصم سويد “مع صعود اليمين المتطرف وسيطرته على الناخبين في بعض دول القارة الأوروبية خلال السنوات الأخيرة، تم الاتجاه نحو التعتيم بشكل جزئي على قضايا اللاجئين ليتمحور الطرح والحديث عنهم بصفتهم مهاجرين اقتصاديين لا لاجئين فروا من ويلات الحرب والتعذيب في السجون والقمع المستمر، فهذه الفعاليات التي يقع في إطارها مهرجان أيام الوثائقيات السورية تساعد بشكل كبير في إيصال الحقائق، وكسب التعاطف من جديد مع القضية السورية، كما أنها في ذات الوقت تعطي الأوروبيين مساحات إضافية وأبعادا أخرى لتحليل الواقع والعمل أكثر على فهم ما يحدث في الجانب الآخر من العالم”.

16