كوت ديفوار تعوّل على الخطاب الديني المتسامح لإتمام المصالحة بين مواطنيها

الخميس 2014/07/10
مساجد بواكي عاصمة الإسلام التعددي السّمح في كوت ديفوار تحتضن جلسات الحثّ على المصالحة مع حلول رمضان

أبيدجان - الأحقاد التي تترتّب عن صراعات دمويّة تحرّكها نعرات طائفية أوعرقية أومذهبيّة (بإيعاز سياسي في الغالب) لا يمكن أن تمحى من عقول ذوي الضحايا وقلوب عائلاتهم بالسهولة التي يعتقدها البعض. وما مرّت به كوت ديفوار، لا تختلف دوافعه عمّا سبق، ولذلك كانت أحقاده التي راكمتها عمليات التقتيل وسفك الدماء عصيّة على الاندمال. غير أنّ حكومة البلاد ومواطنيها وزعماءها الدينيّين راهنوا على أنّ الأمرَ العَصِيَّ لا يرادف المستحيل، وهاهم يطلقون اليوم منذ حلول الشهر الفضيل دعوة للمصالحة الوطنيّة، علّها تؤلّف بين القلوب وتمحي ما يمكن محوه من آلام ومآسي الماضي القريب.

وفي هذا الإطار يسعى الزعماء المسلمون في كوت ديفوار، إلى اغتنام شهر رمضان هذا العام، لتعزيز المصالحة الوطنية، ورأب الصدع السياسي في الدولة الواقعة غرب أفريقيا، التي تكافح للتعافي من الصراعات التي شهدتها بعد الانتخابات والتي أودت بحياة 3000 شخص عام 2011.

فبالإضافة إلى الصلاة من أجل السلام والتسامح، سيلقي الأئمة المسلمون دروسا حول الصفح والوحدة الوطنية، وفقا للمجلس الأعلى للأئمة (كوسيم)، وهو أبرز مؤسسة إسلامية في البلاد.

وفي هذا السياق، قال سيكو سيلا، المتحدث باسم “كوسيم”، وهو أيضا أحد الأئمة في أبيدجان، إنّ “صيام رمضان فترة من التسامح والمشاركة والحب، ولكن بالنظر إلى الوضع في بلدنا، سنبث رسائل المصالحة الوطنية، التي تعتبر شرطا أساسيا لتحقيق السلام الدائم والتنمية”.

ومعظم ضحايا نزاع ما بعد انتخابات عام 2011 هم من أنصار الحسن واتارا، الرئيس الحالي، وهو مسلم ملتزم ينحدر من شمال البلاد، حيث الإسلام هو الدين السائد. ووفقا لاستطلاع رأي أجرته عام 2010 وكالة “سوفريس” الفرنسية لاستطلاعات الرأي، فإن اثنين من بين كل ثلاثة مسلمين في كوت ديفوار؛ من المتعاطفين مع الحزب الديمقراطي الإيفواري (الحاكم) أو هم من أعضائه.

الأزمة لم تتحول إلى حرب دينية آنذاك بفضل عقود من التعايش السلمي بين المسلمين والمسيحيين

وتتعافى كوت ديفوار من أزمة عنيفة مرّت بها عقب الانتخابات الرئاسية الأخيرة، التي جرت في نوفمبر عام 2010، حيث أعلن متنافسان فوزهما في سباقها وهما؛ الحسن وتارا، و لوران غباغبو.

وقد شهدت أحداث العنف عام 2011 مشاركة مليشيات موالية للرئيس السابق لوران غباغبو، وهو مسيحي من الجنوب (ذو الأغلبية المسيحية) إلى جانب جماعات موالية لواتارا، ومعظمهم من المسلمين.

وأسفرت أعمال العنف والنزاعات المسلحة التي وقعت آنذاك عن مقتل أكثر من 3 آلاف شخص، وفقا لإحصائيات الأمم المتحدة وجماعات حقوق الإنسان.

وسجن مئات المعارضين السياسيين الذين ما زالوا بانتظار المحاكمة، وانتهت الأزمة باعتقال غباغبو في 11 أبريل 2011، ثم إرساله لاحقا إلى المحاكمة أمام محكمة العدل الدولية في لاهاي بهولندا بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية خلال الصراع.

ومضى سيلا قائلا: “بغض النظر عما عاناه المسلمون خلال الأزمة، نحثّهم على الصفح، والتعايش جنبا إلى جنب مع الآخرين من الآن فصاعدا، وهذه هي الرسالة التي نريد أن يأخذها في الاعتبار من يشهدون هذا الشهر الفضيل (رمضان)”.

وبينما تأثر العديد من المسلمين بأزمة عام 2011، بسبب المآسي التي سببها لهم عدد من المقاتلين المسيحيين، يدحض بعض القساوسة والمبشرين المسيحيين، هذه التأكيدات، ويصفون هؤلاء المقاتلين بأنهم “مسيحيّون مزيفون”.

ومن جهته، قال القس جان إيف ميان، من كنيسته في أبيدجان: “لا يوجد مسيحي حقيقي يستجيب لدعوة حمل سلاح ناري ويذهب لإطلاق النار على مسلم”.

رجال الدين يقع على عاتقهم دور كبير في المصالحة الوطنية لأن 5 من بين كل 6 مواطنين يعتنقون المسيحية أو الإسلام

وأضاف: “تلك مليشيات لا تعرف شيئا عن المسيحية، وإذا تورط مسيحي في مثل هذه القسوة، فإنه أو إنها، ليس/ ليست، مثالا على ما نؤمن به أو ندعو إليه”. ووفقا للخبراء، فإنّ الأزمة لم تتحول إلى حرب دينية آنذاك بفضل عقود من التعايش السلمي بين المسلمين والمسيحيين، التي أفرزت معدلات عالية من الزواج المختلط بين الطائفتين.

ومن جانبه، أشار براهيما كوني، وهو أستاذ علم الاجتماع في ثاني أكبر جامعات كوت ديفوار في بواكيه، إلى الدور الصلحي الذي يمكن أن يلعبه رجال الدين.

وقال في ذات الإطار: “أعتقد أنّه يقع على عاتق الزعماء الدينيين دور كبير في عملية المصالحة الوطنية، وذلك لأن 5 من بين كل 6 في ساحل العاج يعتنقون المسيحية أو الإسلام”.

وأضاف: “إذا استمروا في إلقاء خطب حول السلام، والقبول المتبادل والتسامح، فإن الحكومة لديها مهمة أسهل لتوصيل رسالتهم عبر المصالحة”.

ومضى قائلا: “ولكن يجب ألاّ يرضخ رجال الدين إلى تأثير السياسيين، وهم بحاجة إلى التركيز على العقيدة، والاستماع إلى ضوائق أتباعهم، وتقديم الحلول المبنية على التعاليم الدينية”. ومن جهته، يقول الإمام عبدالله كامارا، الذي قتل أبناؤه الخمسة في منزله بأبيدجان عام 2011 في ذروة الاضطرابات، إنه سامح الجناة وسيستمر في الدعوة إلى السلام والمصالحة، ولا سيما خلال شهر رمضان.

حيث أضاف “دفعت عائلتي أغلى ثمن نتيجة هذا النزاع. ذبح أبنائي الخمسة أمام عيني في بيتي، ولكن اليوم، لا توجد كراهية أو رغبة للانتقام في قلبي”.

وتابع: “لقد غفرت لهم (قتلة أبنائه)، وسأحث المسلمين الآخرين الذين فقدوا أفرادا من أسرهم أو ممتلكاتهم لكي يغفروا ويساهموا في عملية المصالحة الوطنية خلال الشهر الفضيل”.

وهو ما يوافقه عليه ديارا اسحق، المتحدث باسم مجلس الأئمة السنيّين (كوديس)، وهي ثاني أبرز مؤسسة إسلامية في البلاد، حيث اعتبر من جهته أنّ “أهم شيء هو التّغيير الّذي من المتوقع أن يحدثه الشّهر الكريم على العديد من الأرواح بعد الصيام، وكيف أنه سوف سيؤثر إيجابا على علاقاتهم مع جيرانهم وغيرهم من الآن فصاعدا”.

13