كوربن يعد البريطانيين بسياسة اقتصادية "كينزية"

الخميس 2015/09/17

انتخبت قواعد حزب العمال البريطاني، السبت الماضي، اليساري الراديكالي جيرمي كوربن، رئيسا للحزب، وخلفا للرئيس السابق إد مليباند.

يهمنا من الوعود التي أطلقها كوربن أمام قواعد حزبه ما يتعلق بزيادة الاستثمارات الحكومية من خلال طبع الأموال، وإعادة تأميم قطاعات واسعة من الاقتصاد.

الرجل “كينزي” في ما يتعلق بالاقتصاد! (نسبة إلى المفكر الاقتصادي جون مينارد كينز) وينوي تقويض ما فعلته الزعيمة المحافظة مارغريت تاتشر، في الثمانينات من خلال خصخصة قطاعات كانت الدولة البريطانية تديرها في السابق.

وترجح هذه الأسس المفرطة في المراهقة عند الزعيم الجديد، إما أنه لن يصبح رئيسا للوزراء أبدا، أو أنه سيتراجع عن تلك الوعود بعد أن يصحو على متطلبات الواقع.

وحتى مع دعم 35 خبيرا اقتصاديا بريطانيا لهذا الطرح، تبقى هذه الوصفة مستحيلة التطبيق في ظروف الأزمة الحالية والمستمرة في الاقتصاد العالمي منذ عام 2008.

فوصفة كينز، أو التمويل بالعجز، التي طبقها الرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت ابتداء من عام 1933، كانت منقذا للاقتصاد الأميركي، ومن ثم العالمي، لفترة استمرت حوالي 80 عاما، وكل الأزمات التالية كانت صغيرة بحيث لم تتكرر تلك الأزمة، بما فيها أزمة 2008.

أزمة الكساد الكبير (1929 – 1933) لم يتعافَ منها الاقتصاد الأميركي تماما إلا بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، بتصدير الكتلة التضخمية لطباعة الدولارات إلى أوروبا، لتساهم في تنفيذ مشروع مارشال لإعادة إعمار أوروبا المدمرة بعد الحرب.

ظروف الأزمة الاقتصادية التي تعيشها بريطانيا، كأحد الاقتصادات المتقدمة، غير مشابهة لأزمة الكساد الكبير. ولا مبرر، إذن، كي تطبع بريطانيا عملة دون تغطية لتضخها في سوق العمل بهدف زيادة فرص التشغيل.

ومع نسبة بطالة تدور في حدود 5.5 بالمئة من قوة العمل البريطانية، يمكن بإجراءات غير تضخمية تجاوز الأزمة التي خفت آثارها كثيراً مقارنة بما بدت عليه قبل سبع سنوات.

الاقتصاد الآن يعمل بطاقة قريبة من معدل التشغيل الكامل (عندما تكون البطالة أقل من 4 بالمئة من قوة العمل) في ظل تقديم إعانات إضافية للعاطلين عن العمل.

نعم، توجد أزمة مالية في ظروف تتسم بتراجع الاستهلاك عموماً.

في هذه الحالة، يمكن زيادة معدل الاستهلاك بطرق عديدة، منها زيادة المساعدات الاجتماعية العينية والمادية، والخدمات المجانية، كي يتحرر جزء من دخل العامل ويتوجه للإنفاق الاستهلاكي.

ويمكن أيضاً دعم قطاع الأعمال بمزيد من الإعفاءات الضريبية كي تنافس السلع البريطانية مثيلاتها في الأسواق الخارجية.

كما يمكن إجراء تخفيض في قيمة العملة لتنشيط الصادرات. لكن الإجراء الأخير مستبعد لأن الاقتصاد العالمي كله يشكو من تراجع التجارة الخارجية والصادرات، بما في ذلك أكبر اقتصادين في العالم، الأميركي والصيني.

بمثل تلك الإجراءات، يمكن أن تتجنب البلاد الآثار التضخمية التي ستنشأ حكماً بسبب طباعة عملة دون رصيد، في ظل معدلات نمو إيجابية، وإن كانت متناقصة، أو لا تعوض مستوى الإنفاق المتزايد للمحافظة على مناخ عمل جذاب يستقطب المستثمرين.

لا يغيب عن داعمي فكرة كوربن الكينزية أن الآثار التضخمية يصعب امتصاصها في مثل هذه الظروف التي يعيشها الاقتصاد البريطاني، وقد يضطر اقتصاديو كوربن لاحقاً إلى رفع سعر الفائدة للحد من التضخم، ما يقود إلى ارتفاع معدل البطالة من جديد، والدخول في حالة إدارة أزمة تلهيهم عن العمل للخروج من الأزمة الأصل.

في النتيجة، يدعو كوربن إلى اشتراكية ما، مضحياً باستفادة الرأسمالية من ميزات الاشتراكية التي لم تستفد منها الدول الاشتراكية المنهارة، تلك الاشتراكية الجذابة في طرحها، لكن غير القادرة على تحقيق تنمية مستدامة في ظل تفتيت الملكيات الزراعية والصناعية والتجارية. فتفتيت الملكية يجعل المستثمر عاجزا تاريخيا عن تحقيق الاستثمارات الكبرى التي يستفيد منها المجتمع والدولة على حد سواء.

كاتب وصحفي سوري

10