كوربين الخائن وجونسون المتطرف

ما يمارسه جونسون في تطرفه وكوربين في خيانته يصب في صالح الأوروبيين. صحيح أن ما يقوما به ليس جرما بالمعنى القانوني ولكنه في التعريف الأخلاقي خطيئة لن يغفرها البريطانيون لهما.
السبت 2019/09/28
الانتخابات المبكرة بالنسبة إلى جونسون هي مقامرة بكل ما يملك

أزمة بريكست في بريطانيا أصبحت تستدعي حالة طوارئ من نوع ما. فالشعب بأكمله بات مصابا برهاب الخروج من الاتحاد الأوروبي، فيما تنقسم إدارة البلاد بين “خائن” يهيمن على السلطة التشريعية و”متطرف” يتحكم بالسلطة التنفيذية. لينقسم الساسة بينهما ويتخبطون بين انتماءاتهم الحزبية والمصلحة الوطنية.

الخائن هو زعيم حزب العمال المعارض جيرمي كوربين، والمتطرف هو زعيم حزب المحافظين ورئيس الحكومة بوريس جونسون. والوصف للاثنين هنا ليس مؤامرة كونية، وإنما استعارة مما باحت به ألسن النواب وتتناقله الصحف المحلية، منذ عودة البرلمان للعمل وإبطال قرار تعليقه عبر السلطة القضائية.

كوربين يُوصف بالخائن، لأنه يقف في وجه إتمام الخروج الذي قرره البريطانيون في استفتاء عام 2016. أما المتطرف فهو بوريس جونسون الذي حوّل “بريكست” لمسألة حياة أو موت، وصنع من نتائج الاستفتاء نفسه إنجيلا، يجب أن يموت البريطاني في خندق ألف مرة قبل أن يفكر بنكران قدسيته.

المفارقة أن كلا الخصمين يروج لنفسه وكأنه نصير الشعب وحامي البلاد. كوربين يذرف الدموع خوفا على انهيار بريطانيا إذا غادرت الاتحاد الأوروبي دون اتفاق، وجونسون يبكي ديمقراطية الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس، وقد وُئدت على يد أولئك الذين استسلموا لابتزاز بروكسل.

يرفع كوربين كل يوم كأس النصر على خصمه المترنح وسط انقسامات حادة داخل حزبه. وعندما يدعوه جونسون لانتخابات عامة مبكرة يختار فيها البريطانيون من يمثلهم في القمة الأوروبية المقبلة، ويحددون إن كانوا لا زالوا يريدون الطلاق من بروكسل حتى ولو من دون اتفاق، يجبن زعيم المعارضة عن المواجهة.

كوربين يقول إن الأولوية هي لمنع الخروج دون اتفاق وليس لوصول حزبه إلى السلطة. ولكن الحقيقة هي أن حزب العمال يخشى خسارة الانتخابات ولا يضمن الحصول على عدد المقاعد التي يملكها، خاصة إذا أجريت الانتخابات قبل موعد الخروج في 31 أكتوبر المقبل.

لن يواجه كوربين المحافظين فقط في الانتخابات المقبلة، و إنما ينافس أيضا أحزابا مثل الليبراليين الديمقراطيين والقوميين الاسكتلنديين والخضر وغيرهم، ترفض وصول حزب العمال إلى السلطة. وقد أثبتت هذه الأحزاب منذ الانتخابات البلدية الأخيرة قدرتها على التمدد في البرلمان المقبل بسهولة.

بالنسبة إلى المحافظين تبشر بعض استطلاعات الرأي بفوزهم في الانتخابات المقبلة. ولكن يُخشى أن يكون هذا الفوز أشبه بذلك الذي حققته رئيسة الوزراء السابقة تيريزا ماي في يونيو 2017. أكثرية عاجزة تبحث عن تحالف مع أحزاب تتشارك معها ذات الموقف إزاء الخروج. فيما الحزب الوحيد الذي يتفق مع المحافظين في الخروج دون اتفاق هو حزب بريكست الذي يقبع خارج البرلمان، وزعيمه نايجل فراج أكثر تطرفا من جونسون.

الانتخابات المبكرة بالنسبة إلى جونسون هي مقامرة بكل ما يملك، ولكنه يريد خوضها مهما كانت النتائج. ربما بمبدأ “عليّ وعلى أعدائي” كما يقول المثل، وربما هي الثقة بأن البريطانيين لا زالوا يصرون على الخروج ويريدون من يتمم هذه المهمة. وليس أفضل من جونسون لذلك وقد كان قائد حملة الخروج في عام 2016.

لإفشال المحافظين يصر العمال على إجراء الانتخابات بعد موعد الخروج نهاية الشهر المقبل. هم يراهنون على فشل جونسون في الاتفاق مع بروكسل على صفقة خروج جديدة، وهو ما سيضطره لتأجيل موعد الخروج تنفيذا لقرار حظر انفصال لندن وبروكسل دون الاتفاق، الذي أقره البرلمان مؤخرا. وإذا فعل جونسون ذلك سيخسر المحافظون ثقة البريطانيين ويخسرون الانتخابات المقبلة.

كل ما يحتاجه العمال هو أن تماطل بروكسل في مفاوضات الخروج مع جونسون حتى القمة الأوروبية في 17 أكتوبر المقبل. أتقن الأوربيون لعبة المماطلة طوال عهد تيريزا ماي، ولولا خشيتهم من تطرف جونسون وجديته في مغادرة الاتحاد مهما كانت النتائج لما سمحوا بإعادة التفاوض مرة أخرى مع لندن. صحيح أن قانون حظر الخروج دون اتفاق، الذي أقره البرلمان البريطاني قد سمح لهم بتنفس الصعداء، ولكنهم لن يطمئنوا تماما لتطرف جونسون، لا هم ولا حزب العمال الذي تواطأ معهم إلى حدود الخيانة وفق معايير المحافظين.

منذ 2016 لا يريد الأوروبيون للمملكة المتحدة الخروج من اتحادهم. لهم في ذلك أسباب كثيرة، ليس من بينها الخوف على الاقتصاد البريطاني والشفقة على البريطانيين. تركيز الاتحاد الأوروبي على مصالح دوله في العلاقة مع لندن أمر مفهوم في سياق سياسات الدول الخارجية. ولكن الأمر غير المفهوم هو بحث البريطانيين عن مصلحة الاتحاد الأوروبي بدلا من مصلحة بلادهم.

ما يمارسه جونسون في تطرفه وكوربين في خيانته يصب في صالح الأوروبيين. صحيح أن ما يقوما به ليس جرما بالمعنى القانوني ولكنه في التعريف الأخلاقي خطيئة لن يغفرها البريطانيون لهما، وربما يكون يوم الحساب في الانتخابات المقبلة التي يحلم كل منهما أن تكون بوابته إلى السلطة لخمس سنوات مقبلة.

8