كورس حجري لا يكف عن الغناء في لوحات رباب نمر

في معرضها المقام في قاعة “الزمالك للفنون” في القاهرة تحت عنوان “الصبر جميل” لم تتوقف الفنانة المصرية رباب نمر عن سلوكها المعتاد في إنشاء التكتلات البشرية ذات الهيئة الغرافيكية المثقلة بالتغضنات والانحناءات، هي لا تكف عن استدعاء شخوصها مكتنزي الملامح والأطراف، والمتشابهين كتماثيل حجرية مستنسخة، يأتون فرادى وجماعات، كأنهم يبعثون من تحت التراب، أو يخرجون من العدم، يحدقون بلا أعين، ويملؤون اللوحة صخبا وحنينا.
الجمعة 2017/03/03
كتلة واحدة لتكوينات ملتصقة الجسد

اتسم معرض “الصبر جميل” المقام في قاعة “الزمالك للفنون” بالعاصمة المصرية القاهرة لرباب نمر بالسلوك الغرافيكي الذي لم يبارح تجربة الفنانة المصرية منذ تخرجها في الفنون الجميلة من جامعة الإسكندرية عام 1963.

العشرات من الوجوه المرسومة على مساحات متفاوتة، التكوينات مُحكمة إلى حد تخال معه أن كل جزء منها قد أُعد سلفا، وشيّد بناء اللوحة قبل أن تشرع الفنانة في خدش فضائها الناصع بأقلام التحبير.

والخط هنا يمثل مفتاح الولوج إلى تلك الصياغات، هو المتحكم في تفاصيل العناصر وبناء الشخصيات الحجرية السحنة التي ترسمها، وإنما يأتي اللون تابعا في النهاية، ليضيف بعدا آخر إلى المشهد المكتمل.

برزت مهارة رباب نمر في الرسم بالأبيض والأسود لأول مرة في ثمانينات القرن العشرين مستخدمة أقلام التحبير، ومنذ ذلك الوقت لم تتوقف عن تلك الغواية المثيرة التي استدعتها طبيعة حياتها المتنقلة من مكان إلى آخر، فقد كانت أفضل وسيلة لها هي الرسم بالأقلام على الورق، وهي خامات يمكن حملها والتعامل معها بسهولة، ولا تتطلب تجهيزات معقدة.

ظلت نمر محافظة على المساحة الرمادية في أعمالها، تشكل من طريقها عالما مسكونا بالدهشة إلى أن بدأ اللون يتسلل شيئا فشيئا إلى تلك المساحات، كان يطل في البداية خجِلا ومتواريا خلف التكوينات، يغطي تفصيلة هنا أو يتداخل مع الخطوط الخارجية لعنصر من العناصر.

مع الوقت بدأت مساحة اللون في التداخل مع الأبيض والأسود ليفرض وجوده واقعا جديدا على المشهد، كان الأمر في بدايته أشبه بالمغامرة، ما لبث اللون بعدها أن أفصح عن نفسه مهيئا المتأمل لاستقباله والترحيب به.

للبحر في أعمال رباب نمر حضور طاغ، وهو سلوك فطري يسيطر على تجارب فنانين كثر ممن نشأوا في المدن الساحلية، ورباب نمر فنانة إسكندرية الهوى والنشأة، ظلت الإسكندرية ساكنة بين تفاصيل أعمالها وملهمة لأغلب العناصر والعلاقات في تكويناتها، فخلافا لذلك الأفق الممتد بلا نهاية، تستحضر الفنانة في أعمالها كل الصور التي علقت في ذاكرتها والمرتبطة بالبحر، وشكلت شباك الصيادين والأسماك والمراكب والملابس التقليدية لسكان السواحل عناصر متكررة واعتيادية في لوحات الفنانة. وتحولت الأسماك في أعمالها إلى كائنات متأنسنة، تعادل في حضورها ذلك الوجود البشري داخل المساحة، فلا يكاد يخلو عمل من أعمالها من ذلك الحضور.

بين العلاقات الثنائية التي يمكن للفنانة توظيفها دائما في أعمالها هي علاقة الرجل والسمكة، أو الرجل والطائر، وهي علاقات تتكرر بكثرة ويبلغ حضورها ذروته في أعمالها الأخيرة، وهذه العلاقات الثنائية تمثل المعادل البصري لغلظة التكوين وثقل الكتلة، فالعنصران يتجاذبان معا أطراف الحديث في صمـت عاطفي، كعاشـقين التقـيا بعد غـياب.

لكل عنصر من هذه العناصر التي تستدعيها الفنانة رباب نمر في أعمالها رمزية خاصة تحاول التأكيد عليها من خلال العلاقات الجماعية والثنائية التي تجيد توظيفها، وهي في كل معرض من معارضها عادة ما تنتقي عنصرا أو اثنين لتكون له الصدارة في اللوحة.

وفي معرضها الأخير اختارت الفنانة “نبات الصبار” كعنصر محوري يربط بين الأعمال المعروضة، حيث يتوسط الصبار في لوحاتها بؤرة الحركة ويستأثر دون غيره باللون، سواء كان طاغيا على المساحة أو مبتعدا في خلفية المشهد.

وتمثل التكوينات الجماعية للعنصر البشري إحدى السمات اللافتة في أعمال الفنانة رباب نمر، حيث تبدو التكوينات ككتلة واحدة ملتصقة الجسد، لا تميز بينها سوى الرؤوس المتجاورة والأيدي وملامح الوجه ذات المسحة الحزينة في أغلب الأحيان.

تشكيلات أشبه بالكورس الذي لا يكف عن ترديد الأناشيد والصلوات، تكوينات بشرية أشبه بالتماثيل الحجرية المنحوتة التي تركها المصريون القدماء في تماسكها واحتفائها بالكتلة، وغالبا ما توجد بين هذه الجموع البشرية بؤرة للتكوين تعثر عليها في تفصيلة تميز بها الفنانة أحدهم، أو إشارة لونية غائمة الحضور وسط التكتلات البشرية المتدفقة، في إشارة إلى طاقة الحكي الهاجعة بين العناصر والرمزية التي تغلف الكثير من أعمالها.

وهذا التواصل المتلاحم بين الجموع البشرية في صياغات الأبيض والأسود يستدعي نوعا من التناغم بين اللونين، وهو ما تحققه الفنانة رباب نمر ببراعة في طريقة بنائها للمساحات والتجاور بين اللونين الأبيض والأسود، فاللوحة تبدو من بعيد أشبه بنقاط متجاورة من الظل والنور، تفصل بينهما مساحات وخطوط حيادية من الدرجات الرمادية، ما يؤكد هذا التناغم ويضفي المزيد من الحياة على هذا الكورس البشري الذي لا يكف عن ترديد الأغنيات.

17