"كورونافوبيا" تمنعنا من استئناف الحياة الطبيعية

هي المشكلة التي ستعاني منها بعض المجتمعات بعد التوصل إلى علاج للوباء، لأن الخوف يتسلل بسهولة داخلنا، بينما يحتاج تجاوزه إلى جهود مضنية.
الاثنين 2020/04/06
فوبيا تغير أنماط التفكير والسلوكيات

ذهب كتّاب وسياسيون ورجال أعمال إلى ضرورة العودة إلى الحياة الطبيعية، والتعاطي مع كورونا كواقع لا مفر منه وعدم التردد في مواصلة العمل قبل أن تتوقف تماما منظومة الإنتاج وتحلّ بالعالم كوارث يصعب علاجها في المدى المنظور.

اتسع انتشار شعار “دعْ كورونا وابدأ الحياة” الذي استخدمه رئيس تحرير “العرب”، هيثم الزبيدي، في مقاله الأربعاء الماضي، ووجد رواجا لدى فئات مختلفة، وتشجيعا من شرائح عدة ترى صعوبة استمرار الحياة بين الجدران، وأهمية كسر الحواجز التي أوجدها المرض.

هذه وجهة نظر سليمة في رأي من تبنّوها، ويمكن أن تضطر الكثير من الدول لتطبيقها قبل أن تكون الأضرار الناجمة عن تداعيات الحظر أخطر من كورونا نفسه، في ظل توقعات بزيادة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية بما يؤثر على جدوى الحياة بين البشر، والتي أصبحت تبدأ وتنتهي مع تدفقات الأخبار والتطورات المتعلقة بـ”كوفيد - 19” في العالم.

خلق هذا الحصار ما يمكن وصفه بـ”كورونافوبيا” التي أثرت على أنماط المعيشة، وحَدَّتْ من الاحتكاكات المباشرة بين الناس، ويكفي الهلع الذي تركه المرض خلال الأسابيع الماضية ليرسّخ هذه العقدة بين كثيرين التي جعلت البعض يفضّلون البقاء في منازلهم على الخروج لشراء حاجاتهم الأساسية.

يفضي البقاء في المنزل فترة طويلة إلى حالة من الاعتياد، فرغم صعوبة ذلك في البداية وبذل جهد كبير للتغلب على عادات الخروج وما يصاحبها من عمل وسمر، غير أن الخوف من العدوى والإلحاح الشديد على عبارة “خليك بالبيت” أدت إلى ما يشبه إدمان الاستسلام للعمل من المنزل، وكل فرد أخذ يتأقلم مع الظروف من حوله، ويتكيّف مع المعطيات التي تحيط به مهما بلغت جسامتها أو لا منطقيتها.

هناك كوابح لعدم الخروج تتجاوز حدودنا الشخصية، أبرزها الزوجة والأبناء والوالدين، فمن الممكن أن نرضخ لحاجة العمل التي تفرض على البعض الذهاب إلى مقرّه، لأن طبيعته لا تتوافق مع أدائه “أونلاين”، ومن حسن حظ معشر الصحافيين أن جزءا كبيرا من المهنة يمكن إنجازه وسط الحجر الصحي الطوعي أو القسري.

تسبّب الخوف من الإصابة بمرض كورونا المستجد في حدوث الكثير من المفارقات الإنسانية التي لا تخلو من دلالات سياسية، تكشف لأي مدى أفضى الهلع إلى التأثير على سلوكيات وأنماط التفكير عند الأفراد والدول، ما يعزز الحديث عن الروافد الخطيرة التي تحملها “كورونافوبيا”، إذا واصل المرض انتشاره في مجتمعات متباينة.

لك أن تتخيّل أن وفدا إيطاليّا انتهت مهمته في الصومال قبل أيام رفض العودة إلى روما وطلب من الحكومة تجديد إقامته. فضّل هذا الوفد مواجهة خطر الصراعات والتوترات التي يعجّ بها هذا البلد على العودة إلى إيطاليا التي انتشر فيها كورونا، ما جعل الوباء أشد وطأة من الإرهاب وضجيج السلاح والحرب الأهلية في الصومال.تشير هذه المفاضلة غير العادلة إلى حجم الذعر الذي يسببه هذا المرض الذي أصبح لا إراديا، فلم يتخيّل أحدنا التفكير في هذا النوع من الخيارات الضيقة، وما يفرضه الخطر المدمر للفايروس من سريالية مجتمعية، ففي النهاية تستطيع أن توفر الحماية لنفسك في بلد مثل الصومال عبر اللجوء إلى مجموعة أفراد للحماية الأمنية، سواء كانوا من التابعين لشركات معروفة رسميا، أو من خلال ميليشيات وكتائب عابرة للحدود تخصّصت في الحماية الشخصية.

سطّر التفكير في مرض يسهل انتقاله من شخص لآخر بكل ما يكتنفه من صعوبات في اكتشافه وعلاجه ملحمة مرضية غير معهودة، وباتت الوفاة أقرب من الحياة، ومع الغموض الذي يحيط بمصيره لعب الوباء دوره في ارتفاع شبح الخوف من العدوى التي ينصح الخبراء والعلماء والمسؤولين بأن علاجها الوحيد “خليك بالبيت”، فلا الهجرة الشرعية ولا عبور البحار والمحيطات وتخطي الحدود خلسة لأجل الهجرة غير الشرعية، أصبحت مجدية.

تبخر حلم المكسيكيين في الوصول إلى الولايات المتحدة، ليس لأنهم تألموا من الشروع في تشييد الجدار العازل مع بلدهم، بل لأن المكسيك أشد حرصا على غلق الحدود من الولايات المتحدة التي تعاني بكثافة من ويلات انتشار الوباء اللعين، إنها “فوبياكورونا” المرجّح أن تستمر في تقطيع أوصال العلاقات بين الشعوب والدول، وجعلت ملف الهجرة غير الشرعية الذي حيّر الكثير من الدول هامشيا بالنسبة لها، ومرفوض من قبل متعهديه والراغبين فيه.

كل فرد يستطيع بسهولة التقاط مشاهد متعددة كدليل على عمق الهلع الذي يؤكد أن العمل الطبيعي أمنية غالية وحلم نتمنّاه جميعا لنتغلب على المعاناة، لأن التحديات المتعاظمة التي تقف في الطريق جزء منها يصعب التحكم فيه، فأبعاده نفسية بصورة رئيسية ولا تصلح معها تطبيق فكرة إرادة الحياة الثمينة، فقد تقود هذه الرغبة إلى الهلاك دون أن ندري، فالعدو مجهول ولا نعرف من أين تأتي ضربته المقبلة، من أي حجر أو بشر.

تضخم المرض بشكل مفزع وضاعف من الشكوك والهواجس، فنظافة اليدين المبالغ فيها تحوّلت إلى “فوبيا” في حد ذاتها. هناك صورة يتداولها روّاد مواقع التواصل الاجتماعي عبارة عن شخص يرتدي فوق ملابسه العادية كيسا من البلاستيك يغطي كل جسمه، من رأسه حتى أخمص قدميه، يتحرك بصعوبة في أحد شوارع القاهرة. أعلم أن المشهد مبالغ فيه، لكنه يعبّر عن حالة الهلع التي انتابت الكبار والصغار، هكذا يمكن أن يكون سلوك البعض مع زيادة وتيرة التحذيرات التي تناشد الناس البقاء في منازلهم، ولا نعلم إلى متى يستمر الإغلاق العام الذي جعل البعض ينشدون كسر الحلقة الواسعة قبل أن تستفحل مخاطرها على المجتمع، هم فئة غلب عليهم التفكير العملي والتصرف مع الأمر الواقع بما يوحي بالجرأة ومحاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه، لأن الحياة لن تتوقف مسيرتها.

تبدو هذه الدعوة مفهومة في سياق التقديرات التي ذهبت إلى أن الوباء يمكن أن يستمر عاما أو أكثر، بكل ما يحمله ذلك من خسائر فادحة، لكن المسألة تتخطى حدود التصورات العقلانية أو التصرفات المنطقية، وتدخل في باب المغامرة المباشرة، فالنموذج الإيطالي الذي استهان بالمرض يعاني الآن ويلات، وتجربة الإدارة الأميركية التي أنكرته وتهكمت منه وحمّلت بكين مسؤوليته كافية لزيادة التردد حيال تطبيق شعار “دع كورونا وابدأ الحياة”.

يفرمل الشعار المقابل “كورونافوبيا” السرعة التي يمكن أن ينتشر بها الشعار الأول، وبدأت فكرة التعايش مع الوباء لحين التوصل إلى لقاح ناجع تدغدغ مشاعر بعض المستثمرين حرصا على أموالهم، حيث رددها الملياردير المصري نجيب ساويرس قبل أيام، الأمر الذي عرضه إلى انتقادات كثيرة على مواقع التواصل الاجتماعي، جُلها اعتبر تطبيقها محفوفا بالمخاطر.

ربما تكون درجة المخاطرة أقل مما يتوقعها هذا الفريق، لكن ذيوع “كورونافوبيا” أصبح كافيا لعرقلة الدعوة العملية والنبيلة، مهما بلغت أهميتها وقدرتها على قبول التعايش مع الوباء. وهي المشكلة التي ستعاني منها بعض المجتمعات بعد التوصل إلى علاج للوباء، لأن الخوف يتسلل بسهولة داخلنا، بينما يحتاج تجاوزه إلى جهود مضنية.

8