كورونا تطيل الأعمار

ستمر عاصفة كورونا. ستأتي الإحصاءات ما بعد العاصفة. سنرى تراجعا في الإنتاج والاقتصاد. ولكن قد نرى أن من النتائج العرضية أن ناسا أقل توفوا في هذه الفترة: كورونا تطيل الأعمار.
الأربعاء 2020/03/04
عزلة إجبارية

أحب التنقل بالسيارة. لسنوات كنت أستخدم وسائل النقل العامة. أوقت حركتي على مواعيد القطارات. الحي الذي أسكن فيه تخدمه القطارات العادية وليس شبكة المترو. القطار يمر كل نصف ساعة، وأنت تصبح أسير هذه المواعيد. يأخذك القطار إلى وسط لندن، وتكمل بالباص أو المترو إلى مكان الدراسة أو العمل. العودة أصعب، لأن الباصات تتأخر وعادة ما تنتهي وأنت تركض لتلحق بالقطار. في يوم، قررت قطع العلاقة مع وسائل النقل العامة. الوصول إلى باب القطار وقد أغلق للتو بعد الركض باتجاهه، شيء محبط تماما.

أول شيء لاحظته عند التوقف عن استخدام القطارات والباصات أني صرت أمرض أقل. كانت لدي ثلاثة أو أربعة مواعيد مع الأنفلونزا سنويا. مع السيارة، تراجع عدد مثل هذه المواعيد إلى مرة وبعض الأحيان يمر شتاء بلا مرض. إنجاز يحسب للتنقل بالسيارة. لا أحد يجلس أو يقف قريبا منك ينقل لك العدوى.

الأنفلونزا قاسية، لكننا تأقلمنا معها. كل سنة تهاجم الأنفلونزا مليارات البشر وتقتل منهم أعدادا كبيرة. الأنفلونزا الإسبانية مثلا قتلت بعد الحرب العالمية الأولى أعدادا أكبر من البشر مما فعلت الحرب. لكن هذه السنة هي سنة فايروس كورونا. يقول الخبراء إن عدوى كورونا أسرع من الأنفلونزا، لكنها ليست قاتلة مثل عدوى السارس مثلا. مثل كل الأمراض ذات العلاقة بالجهاز التنفسي، المرض خطير على كبار السن وممن يعانون من الربو. الشباب والأصحاء يستطيعون عبور مرحلة الخطر في الإصابة. ولكي نتحرى الدقة، فإن الصين بلد البؤرة شهد إصابات ووفيات لا تتناسب عدديا مع أكثر من مليار و300 مليون صيني. نحمد الله على ذلك، ولكن الآلاف يموتون في الصين لأسباب أخرى، مرضية أو ما يتعلق بالتلوث وحوادث الطريق والعمل.

توقف الكثير من المصانع في الصين عن العمل، فخف التلوث بشكل ملحوظ وابتهج الصينيون ممن يعملون في المدن المكتظة. خفت حركة السير وقلل الناس من حركتهم اليومية، وفرغت الكثير من الشوارع من المارة. البعض يتحرك وهو يرتدي الأقنعة.

هذه العزلة الذاتية أو الإجبارية، ربما أثرت -للمفارقة- إيجابيا على عدد الوفيات العام (إيجابيا بمعنى التناقص). قلة الاختلاط والأقنعة والإجراءات الصحية الإضافية حاربت مسببات الموت الأخرى. حوادث سير أقل تعني إصابات أقل. المترو الفارغ هو بيئة تمنع انتشار الأنفلونزا العادية. الناس تتحرك بسياراتها للضرورة فقط. مرضى الربو في الصين وغير الصين، يستمتعون بهواء أنقى هذه الأيام رغم خوفهم من كورونا.

ستمر عاصفة كورونا. ستأتي الإحصاءات ما بعد العاصفة. سنرى تراجعا في الإنتاج والاقتصاد. ولكن قد نرى أن من النتائج العرضية أن ناسا أقل توفوا في هذه الفترة: كورونا تطيل الأعمار.

24