كورونا سؤال أخلاقي قبل أن يكون سياسيا واجتماعيا

المستقبل الذي ينتظر البلدان القوية اقتصاديا والمتضررة من كورونا غامض ويلزمه وقت طويل للتدارك.
الأربعاء 2020/04/08
في الخطوط الأمامية

الأفرول الأبيض، وما تبعه من أكسسوارات كالكمامات والأقنعة والقفازات، اكتسى ـ مع كورونا ـ رمزية تاريخية ستخلدها الأجيال وتجلّها أكثر بكثير من بدلات وخوذات وأسلحة القتال العسكري التي طالما أقيمت لها النصب التذكارية في سجلات الشعوب التي تمجد مسيراتها التحريرية. ضريح الجندي المجهول الذي ستوضع فوقه أكاليل الزهور بعد الانتصار على الوباء، وتتقد فيه شعلة الكرامة الإنسانية، لن يكون إلا للأطباء والممرضين والمسعفين الذين احتلوا الصف الأول في التصدي لهذا العدو الأعمى.

أصحاب البدلات الخضراء من المجندين في الحروب والمعارك والنزاعات، لم يكونوا كلهم على قلب رجل واحد، إذ فيهم المتحزب والمتعصب والانكشاري والانتهازي والخائن، أمّا أصحاب البدلات البيضاء من المتصدين للأوبئة في المستشفيات وفضاءات الحجر الصحي، فيجتمعون على قسم أبقراط، ويمارسون عقيدة نكران الذات، في أرقى وأخلص معانيها.

الأطقم الطبية الواقفة على الخطوط الأمامية في الحرب على كورونا، أبدت ـ وفي مختلف مدن العالم ـ بسالة لا توصف، لكنها محكومة بظروف وإمكانيات لوجيستية، تتحكم فيها معطيات تتعلق بدرجات التطور العلمي والاقتصادي، مستويات الوعي الاجتماعي.. وكذلك الصراعات الخفية والسياسات الإقليمية والدولية من أوسع أبوابها. تبدأ حكاية هذه السياسات التي تسعى لتحويل الوجهات والركوب على النشاطين العلاجي والإسعافي، بفرض أسلوب تفاضلي وتمييزي إزاء التعامل مع الوباء من حيث الفئات العمرية، هذا بالإضافة إلى سياسة إعلامية تعتمد التكتم حينا، والتلاعب بأرقام المصابين والهالكين والمتعافين أحيانا أخرى. إنه نوع من “الإعلام الحربي” الذي يرافق الحروب عادة، ويخلط بين رفع المعنويات من جهة، والتصريح بحقيقة الوضع الميداني من جهة أخرى.

الأطباء في مثل هذه الحالات، يتمزقون بين واجبهم العلمي ذي البعد الإنساني، ومراعاة ظروف العمل في البلد الذي يمارس فيه نشاطه، عدا عن حقائق ومقتضيات تفرضها أولويات منطقية ـ أو شبه منطقية ـ من ناحية من هو المريض الأجدر بالتعافي من غيره. الوباء يحصد أرواح العشرات بل المئات يوميا، والوقت لن يتحمل الإطالة في النقاشات ذات الطابع الأخلاقي.. التلكؤ قليلا، يمنح الفرصة للفايروس بالقضاء على المسنين وغير المسنين على حد سواء، فمن الأولى بإنقاذه وفق تزاحم المعايير الصحية والاجتماعية والاقتصادية والأخلاقية؟

كل هذا يحدث في ظروف “غير صحية” للكوادر الصحية العاملة في جبهة مقاومة كورونا. وفي هذا الصدد، أوردت صحيفة تايمز البريطانية، بداية ظهور الفايروس وانتشاره، في تقرير من ووهان، مهد الوباء القاتل، أن طبيبا صينيا كبيرا أماط اللثام عن “الحقيقة المروعة” بشأن الظروف القاتمة التي تكافح فيها الكوادر الطبية فايروس كورونا.

حكى الطبيب ويدعى بينغ زيونغ، الذي يعمل بمستشفى تابع لجامعة ووهان بوسط الصين، قصصا عن بسالة الطواقم الطبية في المدينة المنكوبة، كاشفا عن أن نحو ألف منهم أصيبوا بالعدوى، وكيف أن السلطات المحلية حاولت التضييق عليهم في التصدي للأزمة. وترى الصحيفة البريطانية أن صراحة بينغ، في حديثه عن تستر النظام عن الوباء عند أول ظهوره يأتي بينما يعتمل الغضب ويسود الحزن أرجاء الصين على وفاة الطبيب الصيني لي وينليانغ، أول من حذّر من انتشار فايروس كورونا.

الآن وقد غزت هذه الجائحة العالم، ولم تعد تفرق بين نظام شيوعي وآخر رأسمالي، ظهرت ملامح خيارات استراتيجية تلتقي حولها وتتفق القوى العظمى ذات الاقتصاد المنكوب.

هذه الخيارات التي تشبه بتر الأطراف التالفة، أو قلع الأضراس التي نخرها السوس، على أقل توصيف، تتمثل في الأسئلة التالية: إذا كان الضرر حاصلا لا محالة، فبمن نضحّي، ومن الأولى بالعناية به والحفاظ عليه؟ من الأجدر بإنقاذه: مسنّ يتقاضى راتبا تقاعديا من الصناديق الاجتماعية ويثقل كاهل الدولة أم شاب في مقتبل العمر، ما زال جاهزا للعطاء والابتكار؟ ولكن نسبة المسنين كبيرة في المجتمعات الغربية، وارتفاع معدلات الأعمار في تزايد وسط منجزات علمية وطبية هائلة، فهل من المعقول أن نضحي بغالبية لأجل أقلية؟ تمهلوا.. إن لدينا كما هائلا من المهاجرين الشبان المتخرجين من بلادهم، ولم نصرف عليهم سنتا واحدا.. فلم لا نتدبر الأمر وقد جاءتنا اللقمة سائغة؟

المستقبل الذي ينتظر البلدان القوية اقتصاديا، والمتضررة من كورونا، غامض، قاتم ومخيف، ويلزمه وقت طويل للتدارك والتعويض عن الخسائر والأضرار، وليس من طبيعة هده الحكومات أن تنظر أمام أنوفها في التخطيط لمستقبل أجيالها كما يحدث في بلدان العالم الثالث ذات المعالجات الارتجالية، لذلك يبدو أنها اتخذت القرار، وأوعزت لأجهزتها الطبية والوقائية بالتصرف مثلما يفعل الجنرالات أثناء المعارك الحاسمة.

يبدو هذا واضحا في تصريحات زعماء الدول القوية، وإن كان ذلك بدرجات متباينة، تحكمها هوامش أخلاقية وإنسانية، لكنها غير وازنة أمام الاقتصاد.. وما أدراك ما الاقتصاد.

كل الجهات والمنظمات الدولية تسعى لحفظ ماء الوجه والحفاظ على الحد الأدنى من الوازع الإنساني كي لا يقال إنها مأمورة وتخضع لإملاءات ثم أنها تخشى على نفسها من استقواء دولة عليها كما هو الحال مع منظمة الصحة الدولية في علاقتها مع الصين. الاستعداد للتضحية بكبار السن من أجل مستقبل مضمون، أمر لم يعد مخفيا، وظهر على لسان أكثر من سياسي غربي، وإن كان دونالد ترامب، أكثر “وقاحة” من غيره، الأطباء بدورهم يتفهمون ذلك، وإن كان حتى بدافع إعطاء فرصة حياة أطول لمن عاشها بشكل أقصر أو حتى مقولة “الحي أبقى من الميت أو نصف الميت”.

لكن كاتبا مثل البريطاني فانس كابل، يقول في الإندبندنت: أنا أفهم ذلك، ففي إيطاليا، كان على الطاقم الطبي المعرّض للمضايقة بشكل كبير أن يستخدم الأسرّة القليلة وأجهزة الإنعاش للشباب عوض كبار السن. وكان محقّاً في ذلك.

ويضيف كابل “أما بالنسبة إلى هيئة الصحة البريطانية الخاصة بنا، فقد تصل إلى الوضع ذاته بعد مدّة ليست طويلة”، مستدركا “لكن تلك المسؤولية الرهيبة يجب ألاّ تقع على عاتق الكادر الطبي فقط”.

خلاصة القول إن فايروس كورونا المستجد، سؤال أخلاقي قبل أن يكون معضلة اقتصادية وسياسية.. ولطالما تباعدت السياسة على الأخلاق، لكنهما يمكن أن يجتمعا ويتفقا على أساس أن السياسة هي مبدأ مسؤولية الفرد إزاء المجموعة، والأجيال القادمة مثل حكاية سيدة مسنة بلجيكية ضحت بحياتها من أجل إنقاذ مريض بفايروس كورونا المستجد في سن أصغر، حيث رفضت استخدام جهاز التنفس الصناعي المخصص لها بعد إصابتها بفايروس كورونا.

7