كورونا ستار لتدمير ما تبقى من التعليم المصري

فصل من الكوميديا السوداء يعيشه الشعب المصري في ظل اللا نظام غير التعليمي الذي تريده وزارة التربية لفرض نهاية مجانية التعليم وإنهاء مبدأ تكافؤ الفرص.
السبت 2021/02/06
التعليم المصري يشهد انتكاسة في زمن الوباء

يشهد التعليم المصري انتكاسة في زمن الوباء، حيث لم تكن سياسات الحكومة التعليمية موفقة في ظل الواقع الجديد الذي فرضته الجائحة، وعلى العكس كانت ستارا لتدمير ما تبقى من التعليم. وبدل النظر في مناهج التعليم لتكون عصرية، تتفاجأ الأسر المصرية بضرب مجانية التعليم والترويج أكثر للدروس الخصوصية وبالمزيد من التمييز الذي تدفع ثمنه الطبقات الفقيرة والمهمشة.

القاهرة- ما يجري في قطاع التعليم بمصر انتكاسة تعود بالبلاد إلى عصر الاحتلال. كان الاحتلال البريطاني، ومن قبله محمد علي، يرى المصريين كتلة بشرية مصمتة، مهمتها الإنتاج، ولاحقا تحرم من ثمرة إنتاجها. تسحق مثل السمسم، بتعبير محمد علي، لكي يستخرج منها زيت يدير المصانع ويضخّ الأموال إلى أعلى. نظرة إلى الشعب كقطيع لا تمايز بين أبنائه، ولا يحق للقطيع إبداء رأي في الطريقة التي ترسم مستقبله. وكنا قبل ثورة 25 يناير 2011 على الاستبداد ننشد بناء “الدولة”، فإذا بقوى الثورة المضادة تنسف ذلك الهامش المحدود للحريات. كما كنا ننتظر إعادة النظر في مناهج التعليم لتكون عصرية، فإذا بنا نفاجأ بنهاية التعليم نفسه.

ليس أسوأ من فايروس كورونا على الأسر المصرية إلا اللا نظام، غير التعليمي وغير التربوي، الذي تريده وزارة التربية والتعليم والتعليم الفني. كوميديا أدى فرط سوداويتها إلى الصمت عن توجيه أصابع الاتهام بإدانة هذا الشيء الذي أعلن عنه في مؤتمر صحافي. لكن الشعب يعيش فصول الكوميديا، ويحتملها مكرها بسبب الخوف من الإصابة بالوباء، ليكون كورونا ستارا بريئا لتمرير أخطر عملية لتدمير ما تبقى من التعليم المصري. عنوان الكوميديا السوداء هو حضور التلاميذ يومين في الأسبوع، مع تمييز رياض الأطفال حتى الصف الثالث الابتدائي بالحضور أربعة أيام. حضور للفرفشة فقط، إذ يحظر على المدرسين التدريس للتلاميذ في هذين اليومين.

ليس أسوأ من فايروس كورونا على الأسر المصرية إلا اللا نظام، غير التعليمي وغير التربوي
ليس أسوأ من فايروس كورونا على الأسر المصرية إلا اللا نظام، غير التعليمي وغير التربوي

حتى في يومي اللعب، يمنع التدريس في المدارس. ولكن المدارس نفسها تفتح أبوابها للطلاب أنفسهم ليتلقوا من المدرسين أنفسهم دروسا مقابل أموال. نهاية صريحة لسياسة اسمها مجانية التعليم، وإنهاء لمبدأ تكافؤ الفرص، وانتقام من طه حسين ومن ثورة يوليو 1952 التي أرست حق التعليم للجميع. كانت المدرسة مؤسسة يحتفظ فيها “المعلم” بهيبة مصدرها الإخلاص في أداء مهامه، فلا يضطر التلميذ إلى “استئجار” مدرس. سلوك مهين، يد التلميذ فيه هي العليا، ويمنح المدرس لقب “متسوّل” ينتقل ليلا ونهارا، من بيت إلى آخر. لم يكن التعليم يرهق أولياء الأمور، والآن يلقي المصريون إلى محرقة الدروس الخاصة سنويا أكثر من 47 مليار جنيه.

استطاع أنور السادات وحسني مبارك، تقسيم المصريين إلى جزر تتفاوت أحجامها وقدراتها، وتعزلها أسوار نفسية، وإن تجاورت فلا تتفاعل. نجحت الخطة المخادعة عن طريق التعليم الذي أصبح مجالا مضمونا للاستثمار المحلي والأجنبي. حتى أوائل السبعينات كانت القسمة ثنائية بين تعليم رسمي مدني عام وتعليم ديني أزهري. ولا أستطيع الآن حصر أنواع التعليم ومستوياته. في التعليم الحكومي الرسمي: مدارس للتعليم العام (عربي)، ومدارس تجريبية (لغات) بمصروفات، ومدارس المعاهد القومية (لغات) بمصروفات. وتوجد مدارس أجنبية ودولية ومدارس استثمارية (عربي، ولغات) يملكها أفراد. كما لجأت الجامعات الحكومية إلى منافسة الخاصة والأجنبية في التجارة والاستثمار، وتوجد أيضا الجامعات الأميركية والفرنسية والألمانية والبريطانية واليابانية والكندية.

كان التعليم الحكومي تربية وتعليما ورحمة بأولياء الأمور، فلا يعرفون شيئا اسمه الدروس الخاصة، كما كان يوفر وجبة طعام لتلاميذ المدارس. أتاح ذلك النظام المجاني تكافؤ الفرص لانطلاق مواهب تمثلها عقليات برزت لاحقا، كل في تخصصه، وأكتفي بذكر اسميْ أحمد زويل وعبدالوهاب المسيري. ثم صار عليّ، ولأضرب مثالا بنفسي، أن أدفع في العام الماضي (2020) أكثر من ستة آلاف جنيه مصروفات لابنتي في مدرسة خاصة (عربي)، لم تدخلها يوما واحدا، في مقابل أن يكون لها مقعد تؤدي فيه امتحان آخر السنة. لم يعد التحدي الدراسي هو استيعاب الطالب للمواد الدراسية وللحياة من حوله، وإنما تدريبه بالتلقين على كيفية تجاوز الامتحان.

في 20 يناير 2021 أعلن وزير التربية، في الجلسة العامة لمجلس النواب، ملامح امتحان الثانوية العامة لعام 2020/ 2021. قال إنه سيعتمد على النظام الإلكتروني، من خلال ثلاثين سؤالا، “ولن يكون هناك أي عنصر بشري على الإطلاق، حيث سيقوم الكمبيوتر بإعداد الامتحان في خمس ثوان، قبل الامتحان مباشرة، ولن يستطيع أحد معرفته.. الغش والتسريب سيكون مستحيلا”. النظام الآلي للامتحان يكرس ثلاثية التلقين والحفظ والتذكر، ويستبعد أسئلة تحدد القدرة على الفهم والاستيعاب والاختلاف والابتكار والاستنباط والاستدلال، فالتصحيح الإلكتروني للإجابة “يجيب من الآخر”، على الطريقة الأميركية في الاختيار بين صح وخطأ. ولكن مهارات التعليم، باعتباره “عملية” تربوية، تشمل الحفظ والتذكر والتحليل والمقارنة والإبداع.

الشعب يعيش فصول الكوميديا ويحتملها مكرها بسبب الخوف من الإصابة بالوباء
الشعب يعيش فصول الكوميديا ويحتملها مكرها بسبب الخوف من الإصابة بالوباء

في هذا النظام الإلكتروني، لا مجال للخروج على النص، ارتهان بالنمط، وإذعان للنموذج المقرر للإجابة، وقتل عمدي لملكات التفكير والتمرد والإيمان بتعدد الإجابات وصوابها. وينجو من هذا النظام الإكراهي القادرون على تحمل أعباء الهروب، وهنا تتجلى الطبقية. ومع استمرار التعليم الطبقي، سيكون طلاب المدارس الأجنبية أوفر حظا من أمثالهم الأكثر ذكاء من خريجي المدارس المصرية. وستتيح الأوضاع الطبقية للأثرياء فرص التعليم في الجامعات الأجنبية أو الاستثمارية في مصر، أو التعليم في الخارج. ثم يحصلون على فرص عمل أكثر تميزا، ويقوى نفوذهم، ويزداد ثراؤهم فينفقون ببذخ على حملات انتخابية تحملهم إلى البرلمان، ويشرّعون المزيد من القوانين الطبقية.

في كتابه “الديمقراطية والتربية” يقول جون ديوي “أي مهارة تكتسب بمعزل عن التفكير لن تكون مرتبطة بالأهداف التي ستستعمل فيها. أي لا يكفي تعدد المهارات الواجب على الطالب اكتسابها، بل أن يحصل عليها في إطار فكري وعملي واضح”. أقتبس الجملة من كتاب أصدرته الهيئة المصرية العامة للكتاب (2017)، وجاء الآن وقت قراءته، وعنوانه “مكانة المواطنة في التعليم.. التربية على المواطنة في المناهج الدراسية”، لأستاذ علم اجتماع التربية بجامعة الإسكندرية الدكتور شبل بدران الذي يقول إن سلبيات النظام السياسي تنعكس، بالضرورة، على النظام التعليمي، وإن الدراسات التربوية تنشغل ببيئة التعلم وتشمل العلاقات الاجتماعية بالمدرسة، وأنماط التفاعل الاجتماعي بين الطالب والمدرس والإدارة.

مع استمرار التعليم الطبقي سيكون طلاب المدارس الأجنبية أوفر حظا من أمثالهم الأكثر ذكاء من خريجي المدارس وستتيح الأوضاع الطبقية للأثرياء فرص التعليم في الجامعات الأجنبية أو الاستثمارية في مصر

في أوروبا والدول المتقدمة، يجري نقاش مجتمعي قبل اتخاذ قرارات حول قضايا أقل أهمية. وفي مصر يتم تغييب خبراء المناهج وعلوم التربية عن مناقشة مستقبل 23.5 مليون طالب. وينتظرون بدهشة إملاءات وزير مستشرق يرى الشعب، كما قلت في الفقرة الأولى، قطيعا لا يحق له إبداء الرأي في كيفية تخطيط مستقبله. في بلد فقير اقتصاديا، يكون الرهان على التعليم، ولا تليق معاملة الشعب بنهج استعلائي استشراقي سيؤدي يوما ما إلى انفجار. في كتاب “مكانة المواطنة في التعليم” يخشى بدران أن يؤدي إحساس المواطنين بالتمييز ضدهم، وحصول الأقل كفاءة على استثناءات إلى “كره الوطن والعمل ضد مصالح أبنائه”. ألا هل بلّغت.

7