كورونا صنع المعارض الافتراضية ولن تزول بزواله

الفنان حسين نوح متعدد المواهب إذ يكتب المسرحية والرواية والمسلسلات التلفزيونية والمقالات النقدية إضافة إلى إبداعاته في الفن التشكيلي.
الأربعاء 2020/07/15
أحاسيس المصريين تتشكل عبر تعدد الألوان وزوايا الرسم

الحاجة إلى التحديث ضرورية. الحاجة هي أم الاختراع، والدافع إلى الابتكار، والمحرض على التجديد. الحاجة لازمة من لوازم التطور، والدافع الأكبر إلى استحداث أساليب جديدة. فالفن يشبه العلوم، حيث تولد موجات التطور والانتقال من مرحلة إلى أخرى في ظل الظروف الاستثنائية. “العرب” التقت الفنان المصري حسين نوح في حوار حول تجربته ورؤاه مع المتغيرات الحاصلة اليوم.

كانت ظروف جائحة كورونا التي رسمت القلق والحزن على وجوه البشر، وألزمتهم بالتباعد والانعزال، دافعا إلى ميلاد أنماط جديدة من المعارض لم تكن مطروقة في مجال الفن التشكيلي، وهي ظاهرة المعارض الافتراضية أو الإلكترونية كما يحلو للبعض تسميتها.

الفنان التشكيلي المصري حسين نوح، واحد ممن اهتموا وروجوا للمعارض الافتراضية، وله تجربة في دار الأوبرا المصرية، عندما أطلق معرضا مستغلا تزايد الاهتمام بالتكنولوجيا الحديثة، وزيادة أوقات استخدامها في ظل التباعد الاجتماعي ليعرض لوحاته على الجمهور بشكل أكثر توسعا.

تأثيرات واسعة

يقول حسين نوح في حواره مع “العرب”، إن نجاح معرضه الافتراضي الأول واتساع ردود الفعل عليه وتجاوز نطاق تأثيره، ما هو معتاد في معارض الفن التقليدية أكد لديه أن معارض الفنون الافتراضية ظاهرة صنعتها ظروف الجائحة، وولدت خلالها لتبقى وتزدهر وتستمر حتى بعد انقشاع الوباء تماما.

حسين نوح، فنان متعدد المواهب؛ يكتب المسرحية، والرواية، والمسلسلات التلفزيونية والمقالات النقدية، فضلا عن إسهاماته في مجالي الإخراج والموسيقى، وولد في مدينة دمنهور، شمال القاهرة، عام 1951، لأسرة مهتمة بالفن، والتحق بكلية الفنون الجميلة، وعمل في مجال التصميمات والديكور، لكنه بدأ مشواره الفني عازفا موسيقيا، ثم أبدع لوحات فنية عديدة، وشارك في معارض إقليمية ودولية نالت الكثير من الجوائز المحلية.

حس جمالي موجود لدى الناس
حس جمالي موجود لدى الناس

حول تنوع إبداعاته بين الرسم والكتابة الروائية والعزف الموسيقي، وإن كان ذلك يُمثل نقطة ضعف أم مصدر قوة؟ يؤكد أن التنوع مهم للرسام، حيث يستفيد من قراءاته للجمال في لوحاته، والمصطلحات ذاتها المستعملة في الموسيقى هي ذاتها المستخدمة في الفن التشكيلي، فالتوازن سمة ضرورية للجمال في النوعين، والنشاز لفظ معمول به في كلا المجالين، فكافة الفنون الجميلة مرتبطة معا، والإلمام والتميز في أكثر من مجال يعتبران دافعا قويا للتعمق والإجادة وليسا خصمين للإبداع.

ويوضح نوح أنه تأثر بشقيقه الموسيقار الراحل محمد نوح، في فكرة تقريب الفنون من العامة، وعدم قصرها على النخب، إذ إن معرضه الافتراضي الذي افتتح في منتصف أبريل الماضي استطاع لفت أنظار جمهور جديد غير متخصص في الفن، يضاف إلى الجمهور التقليدي، وسحبه إلى ساحة متابعة الفن التشكيلي بعد أن كان الأمر مقتصرا على شرائح بعينها من المجتمع.

ويضيف أن تجاوب العامة وتساؤلاتهم وأفكارهم وتعليقاتهم بشأن اللوحات المعروضة أكدت أن الحس الجمالي موجود لدى الناس، وأنه في حاجة إلى استقراء واهتمام الفنانين ليتولد الحوار الدائم بين صانع الإبداع والمتلقين.

ويشير إلى أنه أعد مجموعة من اللوحات المعبرة عن أحاسيس الإنسان المصري في عصر العولمة والتطور التكنولوجي، والمقاومة الخابية حينا، والملفتة حينا آخر لسمات القبح المستشرية من عنف وفساد وتديّن ظاهري، مع نظرة دونية إلى المرأة، ويرى ضرورة عرضها على الجمهور. قرر الفنان اللجوء إلى المعرض الافتراضي، وأسماه “رغم الأزمة”، وقد شهد تجاوبا دلّ على إيمان المجتمع بأهمية الفن وقدرة الرسم على ترقيق الأنفس ومقاومة الأحزان والانتصار للحياة.

مكاسب الجائحة

حسين نوح: الفن قادر على إصلاح المجتمعات العربية والتصدي للإرهاب
حسين نوح: الفن قادر على إصلاح المجتمعات العربية والتصدي للإرهاب

يؤكد حسين نوح أن الجائحة برغم ما فيها من آلام إنسانية، ومشاعر خوف، وخسائر مالية وبشرية، إلا أنها فتحت الباب إلى كثير من المكاسب المعرفية، وساهمت في شعور البشر بالأخوة الإنسانية وضرورة التكاتف والتعاون على ما فيه الخير، ونبذ العصبيات والصراعات، والتركيز على العلم والابتكار.

وقال، إن كوفيد – 19 المستجد لفت الأنظار إلى أن هناك خالقا أعظم للكون، قادرا وقديرا، وأن العالم بكل تطوره وتقدمه وغناه المعرفي والمادي يمكن أن ينقلب رأسا على عقب بين لحظة وأخرى، وأننا في حاجة ماسة لكي ننظر إلى جميع الأمور نظرات جديدة تتسم بالتسامح والتعايش.

وحسب رأيه فإن استدعاء الجمال ضرورة ماسة في مثل هذه الظروف، والجمال هنا لا يشترط ما يعبر عن السرور أو البهجة فقط، إنما ما يعبر عن الإنسان وأحاسيسه وما يدور في رأسه من أفكار، وما تحمله نفسه من تمنيات وأحلام، وما يسعى إليه ضميره من خير، وهو الصدقية، وأصل الفنون، وهدف الموهبة، وغاية الإبداع الإنساني.

ويذكر في حواره مع “العرب”، أن الجائحة وما فرضته من عزلة تدفع الإنسان إلى المزيد من التسامح والبحث عن الرضا، والسعي إلى مقاومة القبح، لذا فإن نجاح معرضه دفعه إلى أن يكتب نصا روائيا جديدا يُعبر فيه عن قبح الأخلاق الذي يسود المجتمعات.

يرى الفنان التشكيلي أن الألوان يمكن أن تصنع الجمال لدى الفنان، مثلما هو الحال مع الكلمة لدى الروائي والشاعر، ومفهومه عن الجمال مبني على استكشاف جوانب الحسن وترجمتها بصريا لعيني المتلقي العام، فالجمال ليس مجموعة من الألغاز المحيرة، هو تجويد الواقع، والاختيار على الاختيار.

وعظمة الفنان التشكيلي الحقّة تتجلى في طرح الأساليب الجديدة، وتقديم الرؤى المستحدثة، وفي الاستخدام غير التقليدي للألوان، فاستخدامها كما هي يُمثل جمودا وتقليدا، فقيمة الفنان الحقيقية تكمن في مزجه للألوان المعروفة معا بغية الوصول إلى درجات غير معتادة وغير معروفة، قادرة على جذب العين وأسر الرؤية.

ويلفت نوح إلى أنه لا يتصور أن الألوان وحدها يمكنها التعبير عن السعادة والشقاء، فهناك ألوان تتناسب مع موضوع ساخن مثل درجات اللون الأحمر، وأخرى تتناسب أكثر مع الهدوء والسكينة، مثل درجات الأخضر.

ويذكر أن الفنان الحقيقي هو الذي يصور ما يراه ويعيشه ويشاهده، لكنه يفعل ذلك بحس جمالي وبصمة شخصية تحمل إبداعا، لذا يهتم بتصوير البشر المحيطين به، والمزارع، والحياة الصاخبة، والأعراس والمآتم، والبحر والنهر، والناس جميعا.

عاش الفنان سنواته الأولى بين مدينة دمنهور والإسكندرية قبل أن يستقر في القاهرة، وتابع حيوات الفلاحين والتجار، وشاهد الجمال الأصيل والملامح البريئة، واختبر مشاعر الفرح والحزن لدى الناس، فالحياة في ظنه أكبر مرسم، والبشر أنفسهم هم المعلمون الأوائل.

حضور المرأة

جمال يعبر عن الإنسان وأحاسيسه
جمال يعبر عن الإنسان وأحاسيسه

في لوحات معرضه الأحدث “رغم الأزمة” يتسع حضور المرأة كنموذج مقاوم لكل شعور سلبي أو قيمة مرفوضة، فتبدو لوحة “السيدة وقطتها” كمشهد معتاد في الأحياء والأزقة الشعبية بمصر، إذ تنعم القطة بطمأنينة النظر إلى الناس السائرين في الشارع، مقلدة صاحبة البيت التي تتابع بنظراتها ما يدور من شرفتها، حين تطل من فوق على صخب معتاد لا تُبدي ارتياحا له.

وثمة ملاحظة متكررة في صور النساء لدى حسين نوح، تتمثل في تصويرهن ناظرات دوما إلى أسفل، وكأنه يؤكد فكرة انكسار المرأة في المجتمعات الشرقية وتعرضها للاضطهاد والنظرة الدونية الفوقية التي تعتبرها أحيانا قطعة من لحم، أو كائنا من الدرجة الثانية.

يقول نوح إن المرأة العربية تعاني من ظلم بيّن، وازدراء واضح، في ظل سيادة ظاهرة التدين الظاهري، والانحطاط الخلقي، لقد تأثر بشخصية أمه وأحبها حبا شديدا وأثرت على كافة أعماله الفنية، فكانت له المرشد الأول، وزرعت فيه محبة الفنون، وأهمية التميز بالإبداع الحقيقي.

تبدو لوحة “الصبر جميل” معبرة عن أم شرقية تعد خيط الحياكة على ضوء لمبة كيروسين قديمة في مكان بسيط يوحي بالفقر، وكأنه يكرر تصوره عن أن غرس القيم الجمالية والأخلاق الحميدة يتم من خلال الأم الواعية الصبورة التي تتقبل معاناة لا حدود لها في سبيل إسعاد باقي أفراد العائلة.

الألوان يمكن أن تصنع الجمال لدى الفنان التشكيلي مثلما هو الحال مع الكلمات لدى الروائيين والشعراء

ولحظات الحزن والشجن الذي يسعى الفنان إلى رصدها، يختار لها وجوه نساء يجدهن أكثر صفاء وصدقا بما يتناسب مع تقديم ذلك الحزن الإنساني دون افتعال، وهي ثيمة واضحة في الكثير من أعماله الأخيرة، قائلا “الفنان يمر بعدة مراحل في حياته، يتطور معها، ويكتسب خبرات ومهارات متراكمة تساهم في صناعة قيمته وتأثيراته، غير أن هناك سمات تبقى راسخة مع كل فنان طوال مشواره الإبداعي”.

يشدد نوح على أن الفن وحده هو القادر على إصلاح المجتمعات العربية في المرحلة القادمة، والتصدي للإرهاب والعنف، ووأد التطرف الديني، وإنصاف المرأة، ومقاومة الخرافة، فمن المستحيل أن يتحول شخص تعلم الموسيقى في صغره إلى إرهابي أو قاتل، ولا يمكن لامرأة تهوى الرسم أو تعزف البيانو تعتقد أن أزمة حياتها في ظهور شعرها، فالفن يُهذب النفس البشرية، ويرققها.

15