كورونا فرصة تُصالح الشعوب مع جيوشها

المؤسسات العسكرية في البلدان العربية تشارك في جهود مكافحة الفايروس عبر فتح أبواب المستشفيات وبناء مستشفيات ميدانية والانتشار في الشوارع لتطبيق إجراءات الوقاية من كورونا.
السبت 2020/04/11
أداة حاسمة لحماية الأمن القومي

القاهرة - أفضى تفشي فايروس كورونا عالميا إلى حضور قوي للمؤسسات العسكرية في دول مختلفة، محاولة التعامل مع آثار انتشاره، في ظل انكشاف ضعف البنى الصحية في العديد من الدول.

وأفسح الوباء المجال أمام الاعتماد على الجيوش لتتدخل بشكل أكبر في الحياة المدنية لضبط الأوضاع الداخلية والتعامل مع أي عجز للهيئات الحكومية أو الخاصة، ولم يقتصر هذا الاتجاه على الدول التي تقوم جيوشها بهذا الدور وتتهم دوما بعسكرة الحياة المدنية عندما تنخرط في أي مهام خارج مهامها التقليدية، بل شمل دولا عريقة ديمقراطيا.

وتعتبر الجيوش أداة حاسمة لضمان حماية الأمن القومي، ويعد تدخلها في أوقات انتشار الأوبئة طبيعيا، لكن الأكيد أن قدرتها على تذليل العقبات والتسهيل على المواطنين ومساعدتهم على تخطي الأزمة سوف تنعكس إيجابا أو سلبا على طبيعة العلاقة بين الطرفين، تحديدا في البلدان العربية، وهي في أشد الحاجة إلى إعادة صياغة مفاهيم الجيوش في أذهان الشعوب التي طالما نظر إلى أدوارها المدنية بريبة وشك.

وتنخرط القوات المسلحة في عدد كبير من الدول العربية في بناء المستشفيات، إلى جانب فتح أبواب المستشفيات لاستقبال المدنيين بعدما ضاعفت من قدراتها الاستيعابية وانتشرت في الشوارع، في محاولة لفرض الحجر المنزلي ونظمت حصول المواطنين على المواد الغذائية، ووزعت الكمامات وأدوات التعقيم مجانا أو بأسعار زهيدة، بجانب توظيف مصانعها لإنتاج المستلزمات الطبية اللازمة.

اللواء نبيل أبوالنجا: الجيوش العربية أمام تحديات لإثبات أن حضورها يستهدف بالأساس حماية الأمن القومي
اللواء نبيل أبوالنجا: الجيوش العربية أمام تحديات لإثبات أن حضورها يستهدف بالأساس حماية الأمن القومي

وتأخذ هذه الأدوار أبعادا سياسية مختلفة في المجتمعات العربية، لأن المظاهرات التي عجت في بلدان عدة بموجتها الأولى في عام 2011، والثانية العام الماضي، وما أعقبهما من أحداث داخلية أفرزت صراعات سياسية تسببت في التأثير سلبا على صورة بعض الجيوش كحامية لأمن البلاد في نظر المواطنين الذين تعاملوا معها كجزء من المشكلة وليس الحل.

وأدى تشويه جماعات الإسلام السياسي لصورة الجيوش بشكل عام، ومخاوف المواطنين من أن يكون حضور قيادات عسكرية في أحداث سياسية مقدمة لهيمنتها على السلطة، إلى تعرض الجيوش لانتقادات متصاعدة دفعت إلى صدامها أحيانا مع شعوبها، أو تراجعها عن الانخراط في العمل العام.

ويرى العديد من الخبراء العسكريين أن توسع الأدوار المدنية للجيوش في ظل جائحة عالمية تفرض الخوف والقلق على الجميع فرصة مثالية لتحسين صورتها، في وقت طغت فيه مصطلحات “عسكرة الهيئات المدنية” على أذهان الفئات الشبابية التي خرجت في تظاهرات حاشدة بحثا عن الحكم المدني، وأن وباء كورونا قد يرمم الهوة بين الجيوش وشعوبها.

وقال الخبير الاستراتيجي المصري، اللواء نبيل أبوالنجا، إن “الجيوش العربية أمام تحديات لإثبات أن حضورها في بعض الجوانب المدنية يستهدف بالأساس حماية الأمن القومي وليس الانخراط في مهام ليست تابعة لها، والوقت الحالي يعد نقطة فارقة في تغيير الصورة النمطية عن الجيوش باعتبارها حامية للحدود فقط، بما يؤدي لإبراز أدوار الهيئات الخدمية الأخرى التابعة للمؤسسات العسكرية”.

وأضاف في تصريحات لـ”العرب”، أن الهيئات الهندسية والإمداد والتموين والصناعات الحربية داخل الجيوش تظهر أدوارها في أوقات السلم وتشارك ضمن خطط العديد من بلدان العالم في التنمية، وأن خطوط الإنتاج الحربية يجري استغلالها لمساعدة الحكومات ومن الممكن تغيير مهامها بسهولة، حال اقتضت الضرورة إلى ذلك.

وأشار إلى أن الأوضاع الراهنة أثبتت عدم صحة تقديرات أطراف معارضة عدة في مصر انتقدت انخراط الجيش في الأنشطة والصناعات الاقتصادية، لأن هذا الحضور استهدف تخفيف الضغوط على كاهل المواطنين والسماح للقطاع الخاص بنسب ربح محددة، وسمح ذلك بسهولة في انخراط الجيش في توجيه أنشطته نحو الصناعات الصحية التي تعاملت مع أزمات شح الكمامات والمطهرات، وتلعب دورا فاعلا في تجهيز المستشفيات الميدانية.

مشاركة فعالة في جهود مكافحة الفايروس
مشاركة فعالة في جهود مكافحة الفايروس

وأكد الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي أن جيش بلاده تمكن مؤخرا من بناء 6 مستشفيات جاهزة للافتتاح تبلغ القدرة الاستيعابية لكل منها 200 سرير في إطار مجابهة انتشار الفايروس، فيما أصدرت قيادة الجيش المصري أوامرها لإداراتها التخصصية للقيام بمعاونة أجهزة الدولة لسرعة تدبير أجهزة ومستلزمات طبية وأدوية لمعاونة القطاع الصحي.

وفي المغرب، أعلنت القوات المسلحة الملكية عن تجهيز مستشفى قرب الدار البيضاء بُني خلال ستة أيام، بهدف تخفيف الضغط عن المراكز الطبية الأخرى في أنحاء البلاد، وأعلنت استعدادها لبناء المزيد من المستشفيات الميدانية إذا دعت الحاجة لذلك.

ووجه العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني القوات المسلحة الأردنية لرفع جودة ومستويات الإنتاج في الصناعات الدوائية والمعدات الطبية، وطالب بالتنسيق بين وزارة الصحة والخدمات الطبية الملكية لإمداد المستشفيات في شمال وجنوب المملكة باحتياجاتها.

عمرو الشوبكي: المجتمعات العربية تخلت عن الخطابات المعادية للجيوش والرافضة لمسألة العسكرة
عمرو الشوبكي: المجتمعات العربية تخلت عن الخطابات المعادية للجيوش والرافضة لمسألة العسكرة

كما أعلن الجيش الجزائري تأهبه لاتخاذ جميع الاحتياطات والإجراءات اللازمة للوقاية من انتشار الفايروس، معلنا عن استعدادات الفوج الطبي “52” التابع لمحافظة البويرة (شرق) وتحضيراته للتدخل لإسناد المنظومة الصحية الوطنية في هذا الظرف الصحي الاستثنائي.

ويذهب البعض للتأكيد على أن الأدوار الاجتماعية والصحية والاقتصادية التي تلعبها الجيوش حاليا تستهدف الحفاظ على تماسك الجبهة الداخلية وصد أي نتائج سلبية عن زيادة فترات الحجر الصحي وصعوبة الأوضاع الاقتصادية ومنع أي محاولة نحو الانجراف إلى الفوضى التي تضع البلاد أمام صعوبات أمنية.

وتسعى قيادات بعض الجيوش إلى التأكيد على أن ميزانياتها الضخمة التي طالما كانت مثار انتقاد المواطنين تستهدف حمايتهم، حال اقتضت الضرورة، وأن اللجوء لتلك الميزانيات في أوقات الأزمات يعد أمرا متاحا تحديدا في ظل عدم قدرة الموازنات الحكومية على التعامل مع الأضرار الاقتصادية الناجمة عن انتشار المرض.

ويشدد مراقبون على أن تصدر جيش التحرير الشعبي الصيني خط مواجهة الفايروس منذ بداية ظهوره، سمح بتكرار التجربة في دول عدة، بعد أن نشر أفراده في العشرات من المدن الصينية، ووزع طواقمه الطبية، كما نجح فريق من الباحثين يقوده تشين واي، من أكاديمية العلوم الطبية العسكرية في بكين، في تطوير أول لقاح لمحاربة الوباء.

وأكد خبير في الأمن القومي، اللواء محمد رشاد، أن تعرض دول العالم لأخطار عديدة بعيدة عن الحروب التقليدية منذ الحرب العالمية الثانية سمح بانفتاح المؤسسات العسكرية على شعوبها، ومن نتائج ذلك انخرطت الجيوش في مكافحة المخدرات والهجرة غير الشرعية والتصدي للهجمات الإلكترونية وغسيل الأموال بجانب انغماسها في مواجهة الأوضاع البيئية بفعل التغيرات المناخية والكوارث الطبيعية.

وأوضح أن مفهوم الأمن القومي خضع لتغييرات عديدة طيلة السنوات الماضية، وتخطى القيام بالأدوار العسكرية فقط، وأن حماية الأهداف الحيوية لأي دولة أضحت ضمن المهام الرئيسية في ظل انتشار الإرهاب الذي أحدث تغييرا في الاستراتيجيات العسكرية ومفاهيم الحروب التقليدية.

وجعلت التهديدات التي مرت بها المنطقة العربية طيلة السنوات الماضية الجيوش أكثر حضورا في الحياة المدنية، وحلت أحيانا مكان الأجهزة الشرطية المدنية في التعامل مع خطر الإرهاب، ومهد نجاح المؤسسات العسكرية في الحد من هذا الخطر للحصول على رضاء شعبي.

وأكد الخبير بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، عمرو الشوبكي، أن المجتمعات العربية وبلدان العالم النامي بشكل عام تخلت عن الخطابات المعادية للجيوش والرافضة لمسألة “العسكرة”، إلى جانب أن هذا الخطاب يكاد يختفي تقريبا في أوقات الأزمات، طالما أن هذه الأدوار مكملة للمؤسسات المدنية وليست بديلا عنها.

ولفت إلى أن انحسار وباء كورونا سوف يعيد المؤسسات العسكرية لأدوارها التقليدية، لكن سيكون عليها أن تولي جزءا أكبر من مخصصاتها المالية إلى دعم المؤسسات المدنية والاهتمام بالقطاعات الصحية والبحث العلمي، وأن المنظومة السياسية العربية بوجه عام سوف تواجه تغيرا مماثلا على مستوى الأولويات في وقت سوف يتراجع فيه الاهتمام بشراء المزيد من الأسلحة.

6