كورونا يتمرد على عجلة التاريخ جاعلا المستحيل واقعا

الأمراض، بالإضافة إلى الحروب والثورات وانهيار الدول، تمثل واحدا من "الفرسان الأربعة" الذين سحقوا عدم المساواة عبر التاريخ.
الجمعة 2020/05/22
انتظار الحلول

واشنطن - تعطل حوالي 20 مليون شخص عن العمل في الولايات المتحدة والصين، وانهيار أسواق النفط، وإغلاق قطاعات بأكملها… تلك أمور كان يبدو من المستحيل التفكير في احتمال حدوثها، ولكنها أصبحت الآن واقعا ملموسا.

كان يبدو أن حدوث كارثة فادحة مثل هذه أمر قد عفا عليه الزمن، ولكن ها نحن ذا في مواجهة واقع مفاده أن فيروسا حجمه أقل 400 مرة من قطر شعرة في رأس إنسان، فضح بقسوة ولامبالاة جوانب الضعف في الاقتصاد العالمي.

إن هذه الكارثة تمثل فارقا بين العالم الذي نعرفه وآخر قادم. والسؤال الذي طرحه إدوارد روبنسون، أحد كبار كتاب وكالة “بلومبرغ” للأنباء في تحليله الذي نشرته بلومبرغ، هو: كيف سيكون شكل هذا العالم الجديد؟

في البداية، فإنه في ما يتعلق بالآمال الأولية في حدوث انخفاض حاد في الاقتصاد، يليه انتعاش سريع ومستدام بمجرد القضاء على فايروس كورونا المستجد، فإنه من المرجح أننا سنشهد فترة ركود طويلة.

فقد قال الرئيس السابق لمجلس الاحتياط الفيدرالي الأميركي (البنك المركزي)، بن برنانكي، والذي قاد جهود استجابة المجلس في مواجهة الأزمة المالية التي حدثت في 2008 – 2009، إن لدى الاقتصاد الأميركي فرصة ضئيلة في الانتعاش لحين يتم القضاء على الفايروس، وحتى يشعر الناس بما يكفي من أمان لاستئناف حياتهم.

وقال بن برنانكي في بث مباشر قدمته “مؤسسة بروكينغز” في أبريل الماضي “إذا تحلينا بالصبر وقمنا بما يجب علينا فعله، سنخرج على الجانب الآخر وكل شيء على ما يرام”.

وكتب مايكل مانديل، كبير خبراء الاقتصاد في معهد “بروغريسيف بوليسي” بواشنطن، ”ستنتشر على نطاق واسع فوائد النمو التي تعتمد على التكنولوجيا، ولكن سيتخلف البعض عن الرِكب، وستصبح الحاجة إلى وجود شبكة أمان اجتماعي أكثر أهمية”.

وسيسرع التدفق الهائل للأموال وتيرة اتجاه الصناعات للاستثمار في التكنولوجيا والأتمتة (التشغيل الذاتي) من أجل تعزيز الإنتاجية. كما سيجري تحفيز المصنعين من أجل جلب عمليات الإنتاج إلى أميركا، بعد فترة طويلة كانت خلالها هذه العمليات تتم في الصين، وغيرها من المواقع التي تحظى بعمالة رخيصة، ويطلق مانديل على هذه الخطوة المتوقعة مصطلح “التوطين”.

 من جهته يلفت ريتشارد هاس، رئيس مجلس العلاقات الخارجية في الولايات المتحدة، إلى أن أحد مظاهر التأثير جراء الأزمة الحالية هو ما وصفه بأنه “تاريخ متسارع الوتيرة”، حيث تحدث خلال أسابيع تطورات تستغرق سنوات طويلة في الظروف الطبيعية.

ولكن العديد من هذه الاتجاهات سيحدث على حساب قطاعات واسعة من المجتمع، وهي غير مؤهلة للمشاركة في سوق للعمل أكثر تعقيدا، حيث تعتمد بشكل متزايد على البرمجيات والأتمتة، حتى في أوجه العمل اليدوي التي يقوم بها من يطلق عليهم أصحاب الياقات الزرقاء (العمال).

وعلى الرغم من أن هذه الفترة ستكون قاسية، ومؤلمة ومأساوية، يرى مانديل أيضا أنها فرصة لازدهار الاستثمار الرأسمالي، والرقمنة وريادة الأعمال.

وستكون هذه إحدى الديناميكيات (القوى المحركة) التي ستتطور على نحو ما، حيث سيتطلع المستثمرون والشركات إلى الاستقرار والنمو. أما الخوف، فيكمن في حقيقة أنه لن يكون من الممكن العودة إلى الأوضاع الطبيعية السابقة، حيث سيكون وقت طويل قد انقضى، وستكون خسائر ضخمة قد وقعت، ولن تعود حقبة ما قبل تفشي الوباء.

المؤرخ فالتر شيديل يرى أن الأوبئة تتمتع بقدرة على فرض عمليات إعادة توزيع الثروات
المؤرخ فالتر شيديل يرى أن الأوبئة تتمتع بقدرة على فرض عمليات إعادة توزيع الثروات

ولكن العالم لم يكن يستمتع بالهدوء قبل تفشي الوباء: فهناك الولايات المتحدة بشعبويتها الوطنية تحت حكم دونالد ترامب، وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (بريكست)، كما قلبت الهند وتركيا ودول أخرى النظام العالمي الذي انطلق في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وتصاعد لبعض الوقت الإحساس بالقلق خشية دخول العالم في مستقبل فوضوي.

ويرى المؤرخ فالتر شيديل أن الأوبئة تتمتع بقدرة على فرض عمليات إعادة توزيع الثروات. ويقول إن الأمراض، بالإضافة إلى الحروب والثورات وانهيار الدول، تمثل واحدا من “الفرسان الأربعة” الذين سحقوا عدم المساواة عبر التاريخ.

ويعتقد شيديل، أستاذ التاريخ والدراسات الكلاسيكية بجامعة ستانفورد، أنه رغم فظاعة كوفيد – 19، فلن يكون كافيا لإحداث عملية إعادة ترتيب أساسية لأولوياتنا الاقتصادية، ويضيف أن الافتقار إلى المساواة سيزداد سوءا، في ظل فقدان العمال وظائفهم في الولايات المتحدة، وكذلك فرص الحصول على تأمين صحي بسعر معقول.

وعلى الرغم من أن الحكومات قد تتمكن من الحيلولة دون حدوث ركود طويل الأمد، سينتهي الحال بهذه الجهود في نهاية المطاف إلى تعزيز الوضع الراهن، كما تم في أعقاب الأزمة المالية في 2008.

وتقول خبيرة الاقتصاد البريطانية فايزة شاهين إن الوقت قد تأخر للغاية بالنسبة إلى تحسين سبل عيش العمال، الذين وجدوا أنفسهم فجأة في الخطوط الأمامية لمواجهة الوباء.

وشاهين، هي ناشطة تابعة لحزب العمال البريطاني وخسرت بفارق ضئيل في الانتخابات البرلمانية التي جرت في البلاد في شهر ديسمبر الماضي. وتخشى شاهين الآن أن تمر الأزمة وتخلف وراءها مشكلات دون حلول، بعدما جرى تجاهلها طويلا، مثل الرواتب الضعيفة للقائمين على رعاية المسنين في دور الرعاية الاجتماعية.

ففي بريطانيا، كما حدث في بلدان أخرى كثيرة، أصابت عدوى فايروس كورونا هذه الدولة بقوة، ونجمت عن ذلك 8312 حالة وفاة في إنجلترا وويلز حتى الأول من مايو الجاري.

وتستنتج فايزة شاهين، وهي مديرة مركز الدراسات العمالية والاجتماعية في لندن، أن الفشل في دعم العاملين في مجال الرعاية الاجتماعية هو أحد أوجه الإرث الذي خلفته سياسات التقشف والخصخصة التي تبنتها الحكومات المتعاقبة لحزب المحافظين خلال السنوات العشر التي تلت أزمة 2008.

6