كورونا يجبر السلطات التربوية في تونس على التخفيف من المقررات الدراسية

التوقيت الجديد استوجب تنقيحات راعت عدم المساس بالتكوين الأساسي للطالب.
الأحد 2020/10/11
التخفيف ضرورة وليس اختيارا

اقتضى التعليم بنظام الأفواج، الذي فرضته جائحة كورونا، التقليص من عدد الأسابيع المرصودة للتدريس إلى النصف، مما أدى إلى ضرورة التخفيف من المقررات الدراسية حتى تتلاءم مع الزمن المدرسي الجديد، وذلك استئناسا بما وقع العمل به في مختلف بلدان العالم باعتبار أن الجائحة كانت عامة. وأكدت السلطات التربوية في تونس أن التخفيف حافظ على هيكل التعلّمات وراعى عدم المساس بالتكوين الأساسي للطالب.

فرض التوقيت الجديد للدراسة في تونس إجراء جملة من التنقيحات والتحويرات الضرورية على محتويات المقررات المخصصة لهذا العام الدراسي، بهدف تخفيفها والتمكن من استكمال مقررات العام الفارط.

ويدرس الطلاب في تونس حاليا يوما بيوم، وفق نظام الأفواج، مما قلل من عدد الأسابيع المرصودة للتدريس من 32 أسبوعا إلى 16 أسبوعا، وذلك توقيا من انتشار عدوى فايروس كورونا في المؤسسات التعليمية وتعزيزا لإجراء التباعد الاجتماعي درءا للمخاطر.

وقال وزير التربية فتحي السلاوتي، إن هناك لجانا تشتغل على التخفيف من البرنامج باحترام مجموعة من المقتضيات، وذلك في رده عن أسئلة النواب في الجلسة العامة بالبرلمان.

وبين السلاوتي أن المقتضيات تتمثل في عدم حذف أو إضافة أي مادة والمحافظة على هيكل التعلمات، وعدم المساس بالتكوين الأساسي للطالب، والمحافظة على مصداقية الشهادات الوطنية، والاستئناس بما وقع العمل به في مختلف بلدان العالم بحكم أن الجائحة كانت عامة.

كما أشار السلاوتي إلى أن البرامج المخففة ستكون بين أيدي المدرسين قبل نهاية شهر أكتوبر، مؤكدا أنهم اعتمدوا إدخال التعديلات اللازمة على المراقبة المستمرة في ضوء تخفيف البرامج وأن منشورا يتعلق بهذا الأمر سيصدر قريبا.

من جهتها بينت روضة عيفة، عضو الجامعة العامة للتعليم الثانوي أن التخفيف في المقررات الدراسية هو من مشمولات المتفقدين مشيرة إلى أن جلسات ماراطونية تمت في الغرض.

وقالت عيفة لـ”العرب” إن المتفقدين سيجتمعون بالمدرسين ليشرحوا لهم عملية التخفيف والمواد التي سيشملها والوحدات الدراسية أيضا، مؤكدة أن الاجتماعات ستكون عن بعد، مشيرة إلى أن التخفيف اقتضاه التوقيت الجديد للدراسة.

بدوره، أكد رياض بن بوبكر رئيس مدير عام المركز الوطني البيداغوجي أن التخفيف ورد في إطار التأقلم مع التوقيت الجديد الذي نزل إلى النصف، مشيرا إلى أن الطلاب يدرسون يوما بيوم، مما جعل الحيز الزمني يتدحرج إلى النصف، أي من 32 أسبوعا إلى 16 أسبوعا.

وقال بن بوبكر لـ”العرب”، “إن التخفيف لم ينتج عنه تغيير في المواد، بل تغيير في المحتويات وحذف تفاصيل يمكن للطالب أن يدرسها في مستوى لاحق”.

وأضاف “حافظنا على المفاهيم الأساسية ونقوم بعملية إدماج وحذف للمفاهيم التي يمكن للطالب أن يدرسها في مستوى لاحق”، مشيرا إلى أن التخفيف من المقررات تم في إطار الشراكة بين وزارة التربية ونقابات التعليم والمتفقدين والمدرسين.

التخفيف يقتضي عدم حذف أي مادة والمحافظة على هيكل التعلّمات الأساسية وعلى مصداقية الشهادات الوطنية
التخفيف يقتضي عدم حذف أي مادة والمحافظة على هيكل التعلّمات الأساسية وعلى مصداقية الشهادات الوطنية

بدوره، أكد الناصر السعيدي المعلم المتقاعد، أن السلطات التربوية مجبرة على التخفيف من المناهج الدراسية ومدفوعة إليها دفعا ولا حلّ لها سوى ذلك، مشيرا إلى أن لجنة المتابعة بوزارة التربية قد سايرت تقريبا كل مدارس بلدان العالم.

وقال السعيدي لـ”العرب”، “بما أن الطالب يدرس ثلاثة أيام من ستة، فلا مفرّ من تخفيف برنامج الدروس من خلال إمكانية حذف عناوين من كل محور اهتمام”.

وأضاف “مثلا نجد المحور الأول في مادة ما يشتمل على 5 دروس بعناوين مختلفة ولكنها تلتقي في الأهداف لأنها تنتمي إلى نفس المحور، ولما نحذف درسا واحدا ونترك الباقي فلا نحس إطلاقا بنقص لأن الأداء المنتظر يتعلق أساسا بالمحور ولا بالدرس الواحد”.

وبخصوص التقييم، أكد بن بوبكر أن التقييم سيكون في علاقة مع التخفيف وأن لجان الاختبارات في البكالوريا تشتغل على المفاهيم الأساسية التي ستكون على علاقة بالتقييمات.

من جهتهم، أكد خبراء بيداغوجيون أنه لن ينجر عن هذا التخفيف والإدماج أية إخلالات على مستوى تكوين الطلاب، مبينين أنه من الممكن أن تكون له تأثيرات إيجابية خصوصا وأن الحد من كثافة المواد المدروسة لطالما كان مطلب العديد من المدرّسين والخبراء في مجال التربية.

وقال الخبراء إن سيناريوهات منظومة التقييم الدراسي ستشمل كل المحتويات المدروسة وستراعي مصلحة الطلاب، مشيرين إلى وجود عدة سيناريوهات يتم تدارسها حاليا من قبل اللجان الفنية المختصة لاختيار الأفضل منها.

كما أشاروا إلى أن السلطات التربوية بالبلاد أجبرت على إجراء تعديلات على المناهج التربوية ما كانت لتتمّ لولا جائحة كورونا. ولطالما نادى الخبراء البيداغوجيون منذ حوالي عقد من الزمن بالتقليص من كثافة المواد المدرّسة للطلاب.

وبالرغم من أن تونس شهدت في العام 2014 إصلاحا تربويا تمخض عنه ما يعرف بالكتاب الأبيض، إلا أن وضعية المنظومة ظلت على حالها وظل الإصلاح مبتورا.

ونادت نقابات التعليم بمختلف فروعها بضرورة استكمال الإصلاح وإعادة النظر في المناهج إلا أن تعاقب الوزراء بشكل سريع في حكومات ما بعد ثورة يناير 2011، وعدم وجود رغبة حقيقية في الإصلاح، عمقا الإشكال.

وتمت في العام 2002 مراجعة محتويات البرامج وطرق العمل التي سنها قانون 29 يوليو 1991 فكان ميلاد ثالث قانون تربوي تونسي في 23 من يوليو من عام 2002 وعلى أساسه بنيت برامج جديدة.

وبالرغم من أن البرامج التي سنها قانون 1991 كانت على غاية من الكثافة والدسامة والشمولية وإحكام البناء ما حسّن مردودية المدرسة من الناحية النوعية، وفق ما يؤكده الخبراء، إلا أن النقلة النوعية التي تمت في مجال الاتصال والمعلوماتية وما ظهر من تبعات هذه النقلة من حصاد علمي وتكنولوجي ومعرفي لم يعرفه الإنسان من قبل، ألزم المرور إلى قانون جديد يواكب تلك التطورات.

ويدعو خبراء التربية في الوقت الحالي إلى ضرورة تنقيح القوانين التربوية وإعادة النظر في البرامج والمناهج الدراسية بما يواكب العصر ويخدم مصلحة الطالب وذلك بالتقليل من كثافة المواد حتى يتم استيعابها.

21