كورونا يختبر قدرة الدول على إعادة اكتشاف ثرواتها

أزمة الفايروس تعري الإمكانيات الحقيقية للدول والحكومات، كاشفة مدى قدرتها على التكيف مع المشكلات المفاجئة.
الأربعاء 2020/03/25
من الممكن الانتصار على كورونا ببدائل اقتصادية محلية

فرضت الإجراءات الاحترازية التي اتخذتها الدول للسيطرة على تفشي جائحة فايروس كورونا من خلال العزلة وغلق الحدود تحديات جديدة على المجتمع الدولي ، لا مخرج منها إلا بإعادة اكتشاف الثروات المحلية، وتبني سياسات مستقبلية قائمة على إدارة الأزمات ووضع الخطط البديلة لمواجهة حالة الطوارئ المفتوحة التي يشهدها العالم.

القاهرة - رصد المؤتمر الافتراضي عبر شبكة الإنترنت لمفوضية الأمم المتحدة للشؤون الأفريقية مؤخرا، والذي كان من المقرر عقده في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، مجموعة كبيرة من الخسائر في حركة التجارة بين الدول خلال فبراير الماضي بنحو 50 مليار دولار، بسبب تفشي جائحة كورونا.

انتهت المناقشات إلى تصاعد حدة ضريبة الفايروس على البلدان المصدرة للنفط في المقام الأول، تليها الاقتصاديات المتقدمة ثم الدول النامية، بعد أن فرضت كورونا قيودا غير مسبوقة على حركة تداول السلع عالميا، ما يعني تقويض نظم التجارة.

وأمعن معهد التمويل الدولي، التابع للبنك الدولي، في رسم صورة قاتمة بعد أن خفض توقعاته لنمو الاقتصادات العالمية ليصبح 0.4 في المئة، وتأتي هذه الصورة بعد أسبوعين فقط من توقعاته التي كانت تشير إلى نمو الاقتصاد دوليا بنحو 2.6 في المئة. وحذر من دخول العالم في دائرة كبيرة من الانكماش مع اتساع قاعدة ضحايا جائحة كورونا، وحرب أسعار النفط الخفية، وتصاعد ضغوط التمويل في الأسواق الناشئة والمتقدمة التي أدت إلى إعادة تشكيل صورة الأساسات الاقتصادية.

ومع تفاقم الأزمة بشكل سريع، يقوم المعهد بمراجعة الأوضاع على مدار الساعة ويجدد توقعاته لمختلف البلدان، وكذلك المناطق والتكتلات الاقتصادية، بما فيها أميركا اللاتينية وآسيا ووسط أوروبا والأسواق الناشئة والصين.

وكشف أن هناك حالة من عدم اليقين الكبير حول نقاط الضعف في الاقتصاد العالمي نابعة من عدم وضوح في فترة العزلة وإغلاق الحدود بين الدول، والمدة المرجحة إلى حين احتواء الفايروس، أمام شكوك في تعافي النشاط الاستهلاكي والاستثماري بمجرد رفع الحظر الصحي.

عزلة دولية

Thumbnail

على الرغم من القيود التي فرضها وباء كورونا المستجد على حركة التنقل في العالم، إلا أنه إجراء غير كاف للسيطرة على تفشي هذا الوباء حسب ما ذكرته وزارة الصحة العالمية.

لم يدر بخلد أحد قبل أسابيع أن تشهد الساحة العالمية وضع قيود على حرية حركة الأفراد والتجارة بهذه الشدة، ما يعيد سيناريوهات سابقة حدثت في القرنين السابع عشر والثامن عشر وشهدت تشكيكا في حرية الاقتصاد وتبادل السلع.

ساد مذهب “التجاريين” في القرن السابع عشر الذي ناد بتدخل الدولة في الحياة الاقتصادية ورفض العمل بمبدأ حرية التجارة التي اعتبرت بلا فائدة للاقتصاد، على عكس المدرسة الكلاسيكية التي لامست القرن الثامن عشر، وعلى رأسها أدم سميث، والتي دعت إلى إطلاق حرية التجارة.

أصبح الواقع الجديد يمثل تحديا أمام الدول لإعادة اكتشاف ثرواتها مجددا بعد أن فقدت وسائل الاتصال بالأسواق الخارجية، وآن الأوان أمام هذا الواقع للبحث عن بدائل للسلع والخدمات التي كانت تعتمد على استيرادها من الخارج، في إطار الحلول السهلة لمواجهة المشكلات الاقتصادية أو المجتمعية.

يتمثل التحدي في إعادة اكتشاف ثروات البلاد الحقيقية وتعظيم قيمة البحث والتطوير، بدلا من استيراد المعرفة التي يمكن ابتكارها في معظم الأحوال، والدليل على ذلك ظهور الاقتصاد الموازي في الدول خاصة المنطقة العربية.

يقوم الأفراد من خلال هذا الاقتصاد الذي يعمل في الخفاء بتصنيع وتقليد السلع التي يتم استيرادها من الخارج وبيعها بأسعار أقل تكلفة، مستغلين هنات

الدول في المواجهة الحقيقية للمشكلات، وطرح هذه المنتجات دون مواصفات تراعي معايير الجودة وسلامة المستهلك.

ويمكن اعتماد تجربة كوريا الجنوبية نموذجا، حيث ركزت خلال الفترة من 1962 وحتى 1982 على السوق الداخلي، وبدأت في تصنيع منتجاتها بخامات محلية الصنع بنسبة مئة في المئة، وشرعت في تطوير سيارتها البدائية “بوني” لتصبح “هيونداي” الأكثر مبيعا حاليا في مختلف أسواق العالم.

قامت أعمدة التجربة الكورية على تعميق فكر العمل والنهوض بالتعليم والإنفاق على عمليات البحث والتطوير، الأمر الذي أهلها لتصبح قوة اقتصادية مؤثرة بعد أن أرهقتها الحروب ودمرت بنيتها التحتية، والغزو الياباني الذي استمر حتى نهاية الحرب العالمية الثانية.

موارد عربية

فخري الفقي: نحتاج إلى أفكار خلاقة لسد ثغرات استنزاف الموارد
فخري الفقي: نحتاج إلى أفكار خلاقة لسد ثغرات استنزاف الموارد

تمتلك الدول العربية موارد طبيعية تحتاج إلى التطوير وزيادة القيمة المضافة، وتحويل أزمة غلق الحدود إلى فرصة وتبني مبادئ إدارة السياسات على جميع الأصعدة من خلال الآليات العملية لإدارة الأزمات التي تطرح الحلول والبدائل بشكل مستمر، وهو المنطق الذي نفتقده.

وكشفت حمّى الشراء التي طالت جميع الأسواق في المنطقة العربية (والعالم) عن تقبل شرائح المجتمع للمنتجات المحلية بعد أن نفدت المنتجات المستوردة من الخارج.

وتكمن الفرصة في إعلاء قيم تفضيل المنتج المحلي مع بذل المنتجين المحليين جهود الاهتمام بعمليات البحث والتطوير لتحسين الجودة، بما يسد جزءا كبيرا من فجوة الاستيراد الذي وصل إلى حدود لا سقف لها في بعض الدول، وإعلاء قيم المتاجرة من خلال تعزيز مبادئ التصنيع التي تسهم في عمليات التشغيل وتوفير الوظائف.

وأعادت عمليات فرض العزلة على الدول بعض الأمور إلى نصابها وشجعت شرائح المجتمع مجددا على تبني العادات الصحية السليمة، وترشيد الاستهلاك خوفا من المستقبل الغامض، وإعادة ترتيب ميزانيات الأسر والأفراد.

وأشار فخري الفقي، المستشار السابق في صندوق النقد الدولي، لـ”العرب”، إلى أن فايروس كورونا قيّد حركة البشر، وهم أساس النشاط الاقتصادي، إذ توقف النقل بين الدول وتداول البضائع والشحن والتفريغ، لذلك تفرض العزلة تحديات البحث عن أفكار لامعة لإعادة ترتيب الأولويات، وسد الثغرات التي تستنزف موارد البلاد والاكتفاء محليا.

وتضرب واردات القاهرة، العام الماضي، من غذاء القطط والكلاب والتي سجلت نحو 172 مليون دولار مثالا لذلك، رغم وجود مصانع محلية لإنتاج غذاء الحيوانات، الأمر الذي يحتاج إلى مراجعة من المنتجين والمشترين للوصول إلى نقطة توازن تضمن منتجا جيدا وسعرا مناسبا.

وتمتلك البلدان العربية رصيدا من المحاصيل الزراعية لاسيما الخضروات والفاكهة، بما يؤهلها للبحث عن طرق جديدة تضمن معها زيادة الإنتاجية المشمولة بالمعايير الصحية، ما يفتح أمامها أفقا تصديريا رحبا لمختلف الأسواق.

ورصدت دولة الإمارات العربية المتحدة حزمة لإنقاذ اقتصادها بنحو 35 مليار دولار، فيما هرعت القاهرة لرصد 6.5 مليار دولار، وفرضت هذه العزلة على الحكومات الإعلان عن تيسيرات غير مسبوقة. وبتحليل التجربة المصرية، على سبيل المثال، فإن جميع القرارات التي أصدرتها الحكومة لإنقاذ الاقتصاد لم تكن مبتكرة، بل هي استجابة لمطالب المستثمرين على مدى عقود.

أحمد عبدالحافظ: العالم دخل عزلة أفضت إلى ترد في مؤشرات الاقتصاد
أحمد عبدالحافظ: العالم دخل عزلة أفضت إلى ترد في مؤشرات الاقتصاد

وشملت القرارات صرف مبالغ المساندة التصديرية للمصدرين، وضخ 1.5 مليار دولار لشراء الأسهم التي هبطت إلى مستويات غير مسبوقة في البورصة، وخفض سعر الفائدة الذي كان طاردا للمستثمرين.

وفرضت أزمة كورونا تكتيكات جديدة للنشاط الاقتصادي، وعمقت من قيمة العمل عن بعد، تزامنا مع تصاعد دعوات “خليك بالبيت”، الأمر الذي يعيد التفكير في كيفية الاستفادة من الموارد البشرية، وتوفير وظائف غير نمطية، خاصة في الدول التي تعاني زحاما وتكدسا يهدر طاقات العاملين نتيجة صعوبات الذهاب إلى مقر العمل.

تضيف دعوات التعامل مع المدفوعات الإلكترونية، خوفا من انتقال الفايروس عبر التعاملات النقدية من خلال النقود الورقية، بعدا جديدا يمكّن دول المنطقة الساعية نحو التحول الرقمي من ضم الاقتصاد غير الرسمي إلى المنظومة الرسمية وزيادة موارد البلاد من خلال توسيع قاعدة الممولين وحماية المستهلكين.

تمكن هذه الإجراءات من تعميم الشمول المالي في البلدان العربية في ظل انتشار الهاتف المحمول ونشر ثقافة المدفوعات الإلكترونية والصيرفة من خلال الهواتف المحمولة، وهي وسيلة أخرى للقضاء على الاقتصاد الخفي، ومن ثم تزداد كفاءة وإنتاج الاقتصاد، فيما يتقبل الجميع التعامل مع هذه الأدوات تحت دافع الخوف من كورونا.

وقد سعت مصر منذ سنوات لمواجهة ظاهرة الدروس الخصوصية في التعليم وفشلت في تطبيق منظومة التعليم عن بعد، إلا أن الوقت الحالي أصبح مواتيا في ظل الالتزام الإجباري من جانب الطلاب خوفا من إمكانية العدوى بالفايروس في التجمعات الكبيرة، تزامنا مع العطلة الإجبارية.

وإذا لم تغتنم الحكومة هذه الظروف فلن تستطيع مواجهة نظم التعليم الموازية التي تشهدها البلاد، ويكبد الأسر المصرية تكلفة التعليم مرتين، الأولى داخل المدارس الرسمية والثانية من خلال مراكز الدروس الخاصة التي أصبحت تمثل استثمارا رائجا مع ترهل التعليم الحكومي.

وأكد أحمد عبدالحافظ، الخبير الاقتصادي المصري، أن دول العالم دخلت في عزلة بسبب حالة الذعر من تفشي كورونا، ما أدى إلى انعدام التبادل التجاري خلال الفترة الحالية، الأمر الذي أدى لا محالة إلى تراجع مؤشرات الاقتصاد الكلي خلال الربع الثاني من العام الجاري. وأضاف لـ”العرب” أن “العزلة باتت داخل ولايات ومقاطعات الدول نفسها للحد من تفشي الفايروس من المناطق الموبوءة إلى الأكثر سيطرة، وسط تراجع في عمليات التشغيل والتصنيع نتيجة الإجراءات الاحترازية لتقليل عدد العمالة”.

الطلب على المنتجات

حمّى الشراء التي طالت كل الأسواق في المنطقة العربية كشفت عن تقبل شرائح المجتمع للمنتجات المحلية بعدما نفدت المنتجات المستوردة من الخارج
حمّى الشراء التي طالت كل الأسواق في المنطقة العربية كشفت عن تقبل شرائح المجتمع للمنتجات المحلية بعدما نفدت المنتجات المستوردة من الخارج

تدفع هذه الإجراءات إلى زيادة معدلات الطلب على المنتجات، والتي يتم توفيرها من المخزون الاستراتيجي لسد الفجوة الطارئة، خاصة الاحتياجات الأساسية من السلع الغذائية والأدوية.

وفي حال تجاوز هذه الإجراءات فترات المخزون السلعي التي تتراوح بين ثلاثة إلى 6 أشهر وفق طبيعة كل سلعة، قد يشهد العالم أزمة طاحنة تتجاوز الحدود، لا يستطيع أحد توقع ملامحها.

ويعكس تردي أسعار السلع الاستراتيجية، ومنها النفط عند مستويات تعد الأدنى منذ الأزمة المالية العالمية في 2008، تفاقم الأوضاع ويظهر مدى انخفاض مؤشرات التصنيع عالميا، بعيدا عن النزاعات بين كبار المنتجين في السوق.

ومن الدروس المستفادة لغلق الحدود وفرض حالة العزلة، التركيز على تحقيق السلم الاجتماعي، وحصر الفئات المهمشة، ومحاولة دمجها في الحياة مجددا وتحويل طاقتها الناقمة نتيجة شعورها بالإقصاء وبأنها في طي النسيان إلى طاقات مؤثرة للاستفادة منها في الأنشطة الاقتصادية.

من المفيد للدول التي تعج بالسكان التركيز على المشروعات متناهية الصغر، وكذلك الصغيرة، لتشغيل جميع مفاصل المجتمع، لتكون نواة لتوفير السلع والمنتجات الوسيطة التي تغذي المشروعات المتوسطة والكبيرة.

ومن خلال هذه الأنشطة يمكن أن تبني الدول قاعدة صناعية مؤثرة تعزز نموها وتحقق طموحات التنمية وجودة الحياة لجميع مواطنيها، وضمان إعادة التوزيع العادل للثروة، والتي تضمن جني الثمار للجميع، بدلا من نظرية تساقط الثمار القائمة على انتظار الفقراء لتساقط الثمار من الأثرياء.

وتبقى هذه العزلة فترة لالتقاط الأنفاس لدول المنطقة من أجل إعادة ترتيب حساباتها وتطوير نظم إنتاجها بعيدا عن صراخ المنافسة بدعوى عدم قدرتها على مواجهة منتجات الدول المنافسة، والمطالب بغلق الحدود من خلال العوائق والرسوم الجمركية، فالوضع الجديد منحها فرصة عليها أن تحسن استغلالها وتوظيفها.

وما يمكن استنتاجه من أزمة كورونا أنها عرت القدرات الحقيقية للدول والحكومات، وما إذا كانت تستطيع التكيف مع المشكلات المفاجئة أم لا، فكما قال أحد الساسة الأوروبيين (جوزيبي كونتي رئيس وزراء إيطاليا) “كان أبناء الدول يخرجون للمعارك من أجل الحرب، اليوم البقاء في المنازل أصبح وقاية من الحرب أيضا، وبالتالي يمكن القول إن اعتماد الدول على اقتصاداتها ومواردها المحلية أولا سوف يمثل حربا من نوع جديد، فكورونا قد تفاجئنا بتحديات من نوع آخر”.

12