كورونا يخفّض عدّاد الطلاق في الدول العربية

الأسر العربية تخالف توقعات الخبراء بشان تزايد التفكك الأسري بسبب الحجر.
الاثنين 2020/06/29
جائحة كورونا غيرت العلاقات

أظهرت جائحة كورونا أن عددا كبيرا من الأسر العربية أثبتت قدرتها على التماسك وتخفيض مستوى الأزمات الزوجية وتقليل عمليات اللجوء إلى الطلاق مباشرة، في ظل توافر درجة من التفاهم النسبي، وإعادة التفكير في العلاقة من جوانب مختلفة بعيدا عن الاستسهال بهدم الكيان الأسري، ومع رفع الكثير من الدول الحظر بات السؤال الذي يطرح نفسه بقوة هل راحت السكرة وجاءت الفكرة؟

القاهرة – خالفت الكثير من الأسر توقعات خبراء علم النفس والاجتماع ودراسات مراكز الأبحاث التي تحدثت عن إمكانية وصول حالات الطلاق إلى أرقام فلكية، حتى جاءت الإحصائيات الرسمية مغايرة تماما.

وتكفي مطالعة التصريحات الصادرة عن مسؤولي الشؤون الأسرية في مصر والكويت والإمارات والأردن، لاكتشاف أن حالات الطلاق في ظل جائحة كورونا، وصلت إلى حد أدنى لخوف كليهما على الآخر، والبقاء فترات أطول مع الأبناء.

وأشارت بعض التوقعات إلى أن الحجر المنزلي سوف يكون انتكاسة للأسرة العربية، نتيجة وجود الزوجين معا تحت سقف واحد طوال اليوم، لكن الوباء فعل ما عجز عنه علماء النفس ومستشارو الأسرة بالتوفيق بين الأزواج.

وفي مصر كانت هناك حالة طلاق كل أربع دقائق، في حين خرج إسلام عامر نقيب المأذونين المصريين، ليؤكد أن المعدلات في ظل جائحة كورونا وصلت إلى مستوى متدن للغاية، وقد تمر أيام دون تسجيل حالة واحدة.

فايروس كورونا منح الزوجين فرصة لترميم البيت وتطوير العلاقة بينهما، لأن كليهما يفتقد البدائل

وربما يفسر البعض عزوف الأزواج عن اللجوء للطلاق، بأن محاكم الأسرة كانت مغلقة، والقيود التي فرضت على هذه النوعية من القضايا لظروف الإجراءات الاحترازية، لكن الرأي الأقرب للصواب أن الزوج والزوجة انشغلا بمواجهة كورونا، أكثر من التخطيط لمواجهة بعضهما، بحكم أن الأولوية تقتضي أن يقوم كل منهما بحماية الآخر، كمدخل لحماية نفسه من الإصابة.

وعكست بعض المستجدات أن حالات الطلاق التي كانت تحدث لأسباب واهية، يمكن تجاوزها بسهولة تحت سقف المنزل، بعيدا عن ساحات المحاكم وتدخل الأهل والأقارب للتوفيق بين الزوجين، شريطة التنازل عن العناد والتربص.

وأكدت أستاذة علم الاجتماع بجامعة عين شمس بالقاهرة سامية خضر لـ”العرب”، أن أهم مكاسب جائحة كورونا أنها غيرت طريقة حل الخلافات، حيث أوقفت استسهال الاستعانة بالقضاء لوضع حد للأزمات الأسرية، ونجح الآلاف من الأزواج في تقريب وجهات النظر بعيدا عن المحاكم.

دعاء محمود، أم لطفلين وتعيش في حي المطرية الشعبي بالقاهرة، قررت الانفصال عن زوجها لأنها تشك في خيانته لها، حيث كان يتهرب منها بذريعة التأخر في العمل، ومنذ أصبح يعمل من المنزل عدلت عن الفكرة وعادت إلى بيت الزوجية بعد أشهر من المكوث في بيت عائلتها لانتظار لحظة الانفصال.

قالت دعاء لـ”العرب”، إنها لم تكن تصدق زوجها عندما يبرر لها أن ظروف عمله تستدعي البقاء خارج المنزل ساعات طويلة، حتى شعرت بالوحدة والجفاء من ناحيته، ووصل بها الأمر إلى الشك في زواجه من امرأة ثانية، وتمسكت بالطلاق، وعندما طبقت الشركة إجراءات العمل المنزلي وبقي إلى جوارها راجعت نفسها.

قرب الآباء من الأبناء بعد فترة تباعد وجفاء لروتين الحياة يجعلهم يتمسكون بالبقاء معهم مستقبلا
قرب الآباء من الأبناء بعد فترة تباعد وجفاء لروتين الحياة يجعلهم يتمسكون بالبقاء معهم مستقبلا

لا تنكر الزوجة صاحبة الـ30 عاما، أنها أعادت تقييم علاقتها بزوجها واكتشفته من جديد خلال جائحة كورونا، وبات يساعدها في أعمال المنزل للتخفيف من حدة الملل، وتقرب إليها بشكل أكبر ولم يعد يلتقي أحدا في المقهى كل مساء لأنه كان مغلقا، وهي أمور افتقدتها زوجات كثيرات وشعرن أن الأزواج معهن في كافة تفاصيل الحياة.

وساعدت ظروف الحجر المنزلي الكثير من الرجال على الاعتراف المتأخر بالمعاناة الأبدية للزوجات، فقد كانوا يقضون وقتا طويلا خارج المنزل للعمل أو السهر، ولم يقتربوا كثيرا من مشقة الأمهات في تربية الأبناء ومتابعة أحوالهم التعليمية بالتزامن مع الأعمال المنزلية، وتغيرت رؤية الزوج لشريكة حياته، وأن سوء حالتها النفسية أحيانا له مبرراته.

وكانت أغلب الخلافات الزوجية قبل ظهور كورونا، تدور حول الإهمال والعناد والصدام في الرأي حول أتفه الأسباب، وعدم التفاهم والغياب الطويل عن المنزل، وإهمال كل طرف لاحتياجات الآخر والأبناء، لكن ظروف الحجر غيرت المعادلة، واختفت الأسباب البسيطة للطلاق، ومع رفع الحظر والعودة للحياة الطبيعية بضوابط معينة في مصر لا يستبعد البعض أن تتغير أمور كثيرة.

وأصبح الرجل الذي كان يقضي أغلب أوقاته مساء في المقهى مع أصدقائه ويترك زوجته حبيسة المنزل يشعر بإحساسها وهي مقيدة الحركة، وكيف أن ذلك كفيل بخروج تصرفاتها عن السيطرة، ولأنه أصبح مثلها، من حيث القيود المفروضة على تحركاته بدأ يلتمس لها الأعذار في التذمر والضيق والنكد.

وترى الاستشارية في العلاقات الزوجية بالقاهرة فاطمة محمد، أن فايروس كورونا منح الزوجين فرصة لترميم البيت وتطوير العلاقة بينهما، لأن كليهما يفتقد البدائل، بمعنى أن مواجهة الآخر تستمر طوال اليوم، وكل طرف يفكر في مرور الساعات بعيدا عن تحويل بيت الزوجية إلى ساحة معارك.

زيادة المودة والتفاهم فرصة يجب استثمارها
زيادة المودة والتفاهم فرصة يجب استثمارها

وقالت لـ”العرب”، إن الزوج كان يستسهل الشجار مع الزوجة لأن أمامه الكثير من الخيارات للترفيه عن نفسه خارج المنزل، إما في نزهة وإما مرافقة الأصدقاء، لكنه لم يعد يُجالس إلا الأم والأولاد، بالتالي فالتقارب بين أركان الأسرة فرض عين لتجنب شعور أي طرف بأنه منبوذ، والتخفيف من وطأة الخوف والهلع الذي خلفه الوباء، فالأبناء اكتشفوا الأب، وهو أيضا فعل كذلك.

ويظل المعيار الأهم في إمكانية استمرار التوافق الأسري بعد فك الحظر أو زوال كورونا، فحصل في أثناء الحظر ليس ترابطا بالمعنى الحقيقي، بل استدعاه ظرف استثنائي فرض على الزوجين أن يكونا متفاهمين، لأن أغلب الأسباب التي كانت سببا في الطلاق سوف تظهر ثانية مع بدء التعايش، والعودة للعمل والسهر على المقاهي، والانشغال بتجاوز أزمة الشح المالي.

وأشارت سامية خضر، إلى أنه عندما يحدث الالتئام بين الزوجين يصعب أن تعقبه شروخ في العلاقة، كما أن قرب الآباء من الأبناء بعد فترة تباعد وجفاء لروتين الحياة يجعلهم يتمسكون بالبقاء معهم مستقبلا، فكلاهما أعاد اكتشاف الآخر.

وتغيرت مفاهيم بعض الرجال عن الأبوة خلال جائحة كورونا، وبالتالي فإن إعادة ترتيب بيت الزوجية وانخفاض معدلات المشكلات مقابل زيادة المودة والتفاهم فرصة يجب استثمارها لتكون بداية لقوام أسري صلب يصعب انهياره.

21