كورونا يدفع أسرا عربية إلى التداوي بالعقاقير

رواج العلاجات البديلة شكّل فرصة لادعاء البعض أنه وجد الدواء الشافي.
الأحد 2020/12/06
بحث دائم عن الوصفة العجيبة

نظرا إلى عدم توفر علاج لوباء كورونا، باستثناء لقاح وحيد لم يصل بعدُ إلى رفوف مستشفيات معظم الدول العربية، اختارت نسبة كبيرة من الأسر العربية ملء صيدلياتها المنزلية ببعض الأدوية والعقاقير، معتقدة أنها في أسوأ الأحوال ستخسر المال، وفي أفضلها ستحصّن نفسها ضدّ الفايروس.

أصبح الاقتناء العشوائي للعقاقير يمثل خطرا حقيقيّا على الصحة العامة لنسبة كبيرة من الأسر العربية، بسبب ما يشاع على مواقع التواصل الاجتماعي من أنها تقوّي جهاز المناعة وتعالج فايروس كورونا.

وفي الوقت الذي سجلت فيه عدة دول عربية زيادة يومية قياسية في عدد الإصابات بفايروس كورونا المستجد بسبب عجز الأنظمة الصحية الهشة عن توفير عدد كاف من الأطباء والأسرّة وأجهزة العلاج لمرضى كوفيد – 19، دفع الهلع والخوف من الجائحة الناس إلى التهافت على شراء العقاقير والمكملات الغذائية والأدوية العشبية، لاعتقادهم أنها ستكون طوق النجاة من الوباء وستساعدهم على معالجة أنفسهم من الوباء دون الحاجة إلى أطباء.

وسجلت عدة صيدليات في دول عربية نقصا حادا في بعض الأدوية التي أُشيع أنها تعالج الفايروس الوبائي، إضافة إلى المكملات الغذائية مثل فيتامين “سي” و”دي” والمضادات الحيوية، التي يعتقد البعض أنها تقوّي مناعة الجسم.

وكانت هذه الأصناف من العقاقير متوفرة بكثرة في مختلف الصيدليات قبل تفشي الجائحة، كما يتم صرفها دون وصفات طبية.

منير المنستيري: التونسيون أصبحوا يبحثون عن وصفة سحرية تحميهم من الوباء
منير المنستيري: التونسيون أصبحوا يبحثون عن وصفة سحرية تحميهم من الوباء

ودعت الجامعة المغربية لحقوق المستهلك، المواطنين إلى عدم التهافت على شراء الأدوية المرتبطة بالبروتوكول العلاجي الخاص بكورونا، حفاظا على توازن العرض والطلب. فيما علّقت جمعية المستهلك في لبنان على خبر فقدان بعض أنواع الأدوية المضادة للفايروسات – بسبب شراء المواطنين الكميات المتوفرة في الصيدليات، تحسبا للإصابة بكورونا – قائلة “وفقا لتصريح وزارتي الصحة الفرنسية والكندية، لا وجود لعلاج خاص بهذا الفايروس. ومفعول أدوية المضادات هذه غير ثابت علميّا”.

ولفتت الجمعية في بيان لها إلى أن “الذعر وتخزين الأدوية لا نفع لهما، ولا يحميان من الوباء”، داعية المواطنين إلى “إعادة هذه الأدوية إلى الصيدليات”.

 كما طلبت الجمعية من وزارة الصحة اللبنانية “توجيه تحذير إلى الصيادلة والأطباء الذين يقومون بصرف الأدوية، وحصرها في المستشفيات، و(طلبت) من نقابتي الأطباء والصيادلة التحرك في نفس الاتجاه”.

ويبدو أن لهذه الظاهرة عواقب عديدة، منها أنها تتسبب في رفع الأسعار ونقص الأدوية التي قد يحتاجها المرضى والأشخاص الأكثر عرضة للإصابة بالأمراض، إلا أن الكثيرين يصرون على أن اقتناء الأدوية وتخزينها في المنزل سيساعدانهم على تطبيب أنفسهم بأنفسهم عندما يصيبهم الفايروس ولا يحصلون على الرعاية من مستشفيات بلدانهم التي تعاني في الأصل من صعوبات خانقة.

وقالت سيدة عراقية تدعى أسماء لـ”العرب” إن “مشاكل القطاع الصحي في العراق، وتردّي حالة المستشفيات، والوضع الوبائي السيء في البلاد، يجعلنا كل ذلك كأمهات في سباق مع الزمن للحصول على بعض الأدوية سواء الأعشاب التقليدية أو العقاقير الطبية من الصيدلية لتخزينها أو أي شيء قد يساعدنا في علاج أفراد أسرنا وقت الضرورة”.

بينما قالت التونسية زينة اليعقوبي “لا يجب أن يخلو أي منزل في الظرف الحرج الذي نعيشه بسبب الوباء من وجود صيدلية صغيرة تحتوي على بعض الأدوية التي تساعدنا على علاج أنفسنا، خصوصا أن الأطباء يرفضون قبول المرضى في المستشفيات المكتظة بمصابي كورونا، الأفضل أن نتدبر أمورنا بأنفسنا ولا نبقى مكتوفي الأيدي في انتظار أن يأتي من يسعفنا وقد لا يأتي”.

ويرجع بعض الخبراء تهافت الناس على شراء الأدوية في أوقات الأزمات إلى انخفاض ثقة الناس في قدرة الحكومات على إدارة الأزمة الحالية للوباء، محذرين من إفراط الأسر في شراء الأدوية على نطاق واسع وحرمان المرضى الذين يستخدمونها في الأصل للأمراض المخصصة لها، ما يضطر الكثيرين إلى القيام بجولات يومية بحثا عن أدويتهم التي يحتاجونها بشكل دوري.

وقال الصحافي التونسي منير المنستيري لـ”العرب”، “الموجة الأولى لجائحة كورونا وما تلاها من إجراءات وقائية ألزمت تطبيق الحجر المنزلي الشامل الذي دفع الكثيرين إلى التهافت على شراء المواد الغذائية وتخزينها خوفا من فراغ الأسواق منها، لكن أمكن والحمد لله تجاوز تلك الفترة بأخف الأضرار”.

 وأضاف المنستيري مستدركا “لكن مع انتشار الموجة الثانية للوباء تجددت مخاوف المواطن وتزاحمت الصفوف، إلا أن الظاهرة في هذه المرة كانت أمام الصيدليات بدافع شراء وتخزين الأدوية والعقاقير في البيت للتطبّب الذاتي والكل يحلم بالدواء السحري لإيقاف زحف فايروس كورونا والتوقي منه”.

البحث عن العلاجات البديلة
البحث عن العلاجات البديلة

وتابع “مع كل حديث طبي للعلماء والأطباء سواء عبر أجهزة الراديو أو القنوات التلفزيونية عن الوباء ونوعية الأدوية التي تساعد في إيقاف المرض أو التوقي منه كالفيتامينات والمضادات الحيوية وبعض العقاقير الأخرى كالتي تعطى للتخلص من الحرارة وأوجاع الرأس أو المضادة للسعال، أصبحت كلها في نظر التونسيين وصفات سحرية خصوصا في ظل الوضع الوبائي الخطير الذي ولّد حالة خوف شديدة لدى عموم المواطنين جعلتهم يتمسكون بأي قشة يعتقدون بأنها تحميهم وتحفظهم من كورونا القاتل”.

ولا تعدّ فكرة “نشر الخوف” بالأمر الجديد، فقبل سنوات حذر ديفيد داننغ أستاذ علم النفس من دور الإنترنت في نشر البلبلة بين الناس، فهي المكان الذي يلوذ إليه كل شخص للبحث عن ضالته، لكن في الوقت الذي يستفيد فيه البعض من المعلومات المتوفرة على الفايروس وطرق الحماية منه، فإن الكثيرين يقعون ضحايا لأصحاب المصالح الراغبين في نشر الخوف عن قصد وتخطيط.

وأظهر نصف قرن من الأبحاث أن الخوف هو من المشاعر الأقوى التي يستغلها أصحاب المصالح ولاسيما عندما يكون للمخاوف امتداد في الواقع؛ ولا شك أن الاستغلال الذكي للخوف لا يضاهيه أي شيء آخر في توجيه الناس واستمالة مشاعرهم والسيطرة على عقولهم.

غير أن رواج العلاجات البديلة شكّل أيضا فرصة انتهزها البعض ليدّعي أنه وجد الدواء الشافي لمرض كوفيد – 19، وأصبحت معظم محلات الأعشاب الطبية تعج بالحشود أكثر من المعتاد هذا الأسبوع، إذ يرى التجار في الوباء فرصة تجارية لا بد من الاستفادة منها.

ونبّه تقرير سابق لمكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة إلى أن مجموعات الجريمة المنظّمة استغلّت المخاوف ومشاعر القلق المرتبطة بفايروس كورونا فتخصصت في الاتجار وتهريب هذه المواد مستفيدة من ازدياد الطلب عليها والشحّ في الكميات المتوافرة منها.

وتوقع التقرير أن يكون التركيز مستقبلا على اللقاح المضاد للفايروس عندما يتم التوصل إليه.

التجار وجدوا في الوباء فرصة تجارية لا بد من الاستفادة منها
التجار وجدوا في الوباء فرصة تجارية لا بد من الاستفادة منها

وقالت المديرة العامة لمكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، غادة والي، في بيان إن “الصحة والحياة مهددتان من مجرمين يستغلون أزمة كوفيد – 19 للاستفادة من قلق الجمهور والطلب المتزايد على مستلزمات الحماية الشخصية والأدوية”.

وأضافت أن “المجموعات الإجرامية المنظمة العابرة للحدود تستغل الثغرات في التشريعات الوطنية وفي المراقبة للاتجار بمنتجات طبية مقلّدة ومتدنية النوعية”.

وكانت 90 دولة قد أطلقت عملية في مارس الفائت تولت تنسيقها منظمة الإنتربول، استهدفت الاتجار غير الشرعي عبر الإنترنت بالأدوية والمستلزمات الطبية. وأدت العملية إلى توقيف 121 شخصا في أنحاء العالم ومصادرة كمامات غير مستوفية للشروط الصحية وأكثر من 14 مليون دولار.

ولاحظت الإنتربول، بالمقارنة مع عملية مماثلة نفّذت في العام 2018، زيادة بنسبة 18 في المئة ضمن عمليات ضبط الأدوية غير المرخص بها والمضادة للفايروسات، وارتفاعا بنسبة 100 في المئة بعمليات ضبط أدوية الكلوروكين غير المرخّص بها، وهو دواء لعلاج مرض الملاريا استخدمته البعض من الدول لمعالجة المصابين بفايروس كورونا المستجد.

ودعا المكتب الأممي إلى تعزيز التعاون الدولي وتحسين الأطر التشريعية وتشديد العقوبات، وإلى التدريب بأكثر فاعلية للعاملين في قطاع المنتجات الطبية.

21