كورونا يشل الاقتصاد العالمي ويفتح الباب لهيمنة صينية

الاقتصاد الصيني يسجل نموا بنحو 1.9 في المئة، على غرار ارتفاع حصة بكين في السوق العالمية.
الجمعة 2020/12/04
الصين تنهي عصر القوة الاقتصادية التي لا تقهر

عصفت جائحة كورونا بالاقتصاد العالمي في ظل الأرقام المفزعة عن انهيار عوائد الصناعة والتصدير والطاقة، لكن الصين تمكنت من المرور إلى بر الأمان مسجلة نموا يعزز هيمنتها الاقتصادية بفضل تصدير المعدات الطبية والتكنولوجيات المتمثلة في معدات العمل عن بعد.

باريس – تسبب تفشي فايروس كورونا المستجد في العالم في أزمة اقتصادية غير مسبوقة وأعاد للدول دورها الأول، لكنه عزز أيضا الكثير من توجهات العولمة بين صعود موقع الصين وتأكيد هيمنة مجموعات التكنولوجيا الكبرى.

وإذا كان هناك رقم مهم يدل على صعوبة الأزمة الاقتصادية، فهو 20.5 مليون وظيفة ألغيت في الولايات المتحدة في أبريل الماضي.

وخلافا لانهيار البورصات في 1929 والأزمة المالية في 2008، فقد جاءت الصدمة الاقتصادية في 2020 من الخارج لكنها تسببت بين ليلة وضحاها بشلل كبير في كافة القطاعات الاقتصادية “المادية”.

وشكلت تدابير الإغلاق التي طالت في أبريل نصف البشرية، صدمة هائلة للاقتصاد العالمي الذي أصبحت عملياته آنية، بلا مخزونات مع انهيار سلاسل الإنتاج.

وتسمرت الطائرات التي تقلّ عادة 4.3 مليارات إنسان حول العالم كل عام. وتوقفت السياحة العالمية التي تمثّل نسبة 10.5 في المئة من إجمالي الناتج الداخلي العالمي. وبقيت حاويات السفن على أرصفة المرافئ ومعها الآلاف من أفراد طواقمها. وتباطأ النقل وعمل المصانع وأغلقت المتاجر الصغيرة والمطاعم والمسارح أبوابها.

وفي المقابل، صبّت هذه الأزمة في مصلحة قطاعات التكنولوجيا الحديثة والاتصالات والتجارة عبر الإنترنت وقطاع الدواء، لذلك وصفت بأنها “داروينية” لأنها تسرّع الانتقال نحو عالم رقمي.

وخلافا للعام 2008، عانت الدول الناشئة من الأزمة بشكل كبير منذ بدايتها. وانخفضت صادرات تلك الدول كما تراجعت أسعار المواد الأولية.

ويتوقع صندوق النقد الدولي انكماشا بنسبة 4.4 في المئة للاقتصاد العالمي في 2020.

وتبدّد الأمل بانتعاش سريع مع إعادة فرض تدابير عزل خلال الخريف، ممهدا لعام جديد من الاضطراب. لكن التقدم الذي حصل في مجال اللقاحات في نوفمبر، أعطى بعض الأمل بإمكانية الخروج من الأزمة.

وخلافا للأزمات السابقة أيضا، كانت استجابة الحكومات هذه المرة هائلة وسريعة، بناء على مبدأ الدعم “مهما كلف الأمر”، على حد قول الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون.

ولم يكن ممكنا تحقيق استجابة مماثلة دون دور الاحتياطي الفيدرالي الأميركي والبنك المركزي الأوروبي وبنك إنجلترا وبنك اليابان، وهي المؤسسات التي فتحت الباب على مصراعيه أمام حيازة الدول خصوصا على سندات دين هائلة.

وفتحت الحكومات المجال أمام العجز ويتوقع أن يتخطى دين منطقة اليورو نسبة 100 في المئة من إجمالي ناتجها الداخلي في 2020.

1.9 في المئة نسبة نمو اقتصاد الصين بفضل تصدير المواد الطبية ومعدات العمل عن بعد

وصرفت دول مجموعة العشرين نحو 11 ألف مليار دولار لدعم الشركات والعائلات. لكن ذلك لم يساعد على وقف موجات تسريح العمال والموظفين.

ونحو ربع هذا المبلغ صرف في الولايات المتحدة.

أما الاتحاد الأوروبي، فخرج بخطة إنعاش بقيمة 750 مليار يورو مولها دين مشترك، لا تزال تنتظر تنفيذها.

وتضرر اقتصاد الصين، حيث ظهر الوباء أول مرة، مع بداية تفشي المرض الذي أغرقها في انكماش تاريخي (تراجع إجمالي الناتج الداخلي بنسبة 6.8 في المئة في الفصل الأول). واتهمت بكين بأنها تأخرت في إبلاغ منظمة الصحة العالمية عن ظهور الفايروس، مع ذلك لم يتوان العالم عن شراء الكمامات التي صنعت في الصين.

وستكون الصين في 2020 الاقتصاد العالمي الكبير الوحيد الذي سيسجل نموا بنحو 1.9 في المئة وفق صندوق النقد الدولي. بل إن حصتها في السوق العالمية ارتفعت أيضا بفضل تصدير مواد طبية ومعدات العمل عن بعد، وفق شركة “أولر هيرميس” للتأمين.

وفيما لا تزال الولايات المتحدة تكافح الوباء وتتخبط في مرحلة انتقال سياسي صعب، تواصل الصين التحرك إلى الأمام. ومنتصف نوفمبر، وقعت اتفاقا تجاريا مع 15 دولة في آسيا والمحيط الهادئ، هو الأكبر في العالم.

وبيَد الصين أيضا مفتاح أزمة الديون المتزايدة للدول الفقيرة، فهي تملك أكثر من 60 في المئة منها.

واستفادت شركات غوغل وأمازون وفيسبوك وأبل التي تسمى “غافا” من الإغلاق الذي تضاعف بفضله عدد مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي وعمليات الشراء عبر الإنترنت.

ولخص المحلل دانيال إيف من شركة “ويدبوش سيكوريتيز” المالية الأمر بالقول إن “المجموعات القوية أصبحت أقوى”.

وارتفعت أسعار أسهم شركات غافا بشكل كبير في البورصات، فقد سجلت أسعار أسهم غوغل زيادة نسبتها 31 في المئة، وفيسبوك 34 في المئة، ومايكروسوفت 36 في المئة، وأبل 58 في المئة، وأمازون 72في المئة، منذ الأول من يناير.

لكن هذه الهيمنة لا تخلو من تحديات إذ تتراكم الشكاوى والإجراءات بحق هذه الشركات التي أصبحت “خصما حقيقيا للدول”، بحسب وصف وزير الاقتصاد الفرنسي برونو لومير من ضفتي الأطلسي.

وهي تتناول خصوصا إساءة استخدام النفوذ ونشر محتوى يحضّ على الكراهية، وبث أخبار كاذبة، واستغلال بيانات شخصية وتهرب ضريبي، وتوزيع غير عادل للعائدات على حساب وسائل الإعلام، وكذلك شروط العمل.

ووصف وزير الاقتصاد الفرنسي برونو لومير هذه المجموعات بأنها “خصم حقيقي للدول”.

10