كورونا يعطل أحلام الشباب العرب إلى أجل غير مسمى

موجات الحرب والنزوح والمرض تركت الجيل الجديد أسير المرارة واليأس.
الأحد 2020/08/09
برسم انتظار مابعد كورونا

تأثر الشباب بتداعيات فايروس كورونا وتعطلت مشاريعهم الدراسية والاقتصادية في مختلف أنحاء العالم، لكن ما خلفه الوباء من انعكاسات سلبية بالنسبة للشباب في دول مثل العراق ولبنان وسوريا يبدو مضاعفا بسبب ما تعانيه بلدانهم من أزمات.

بغداد - كل شيء كان معدا له ومخططا بإحكام بالنسبة لسماء الديواني وحبيبها أثير عاصم في الجامعة، كانت هي تستعد للمغادرة إلى إنجلترا، لتقضي عامًا في العمل على درجة الماجستير في الصيدلة، وهو يفتتح مخبزاً في العراق ليجتمعا لاحقا ويتزوجان ويؤسسان عائلة، إلى أن جاء فايروس كورونا وأجهض خططهما.

تم تعليق قبول سماء (24 عاما) في الجامعة البريطانية وتأخر مشروع افتتاح المخبز عن الموعد المحدد، بعد أن انتشرت جائحة كورونا، حيث أغلقت الدول وتقلصت الاقتصادات وتبعت الفوضى العالمية، وانخفض دخل عائلتها بنسبة 40 في المئة وهي تشعر بالقلق من فقدان وظيفتها في صيدلية محلية.

الديواني وعاصم (26 سنة) من بين الملايين من الشباب في منطقة الشرق الأوسط الذين ساهم الوباء في كبح سعيهم إلى الحصول على وظائف أو التعليم أو الزواج، مما دفعهم إلى الدخول في حالة من عدم اليقين واليأس، الذين أملوا أن يتركوه خلفهم.

انهيار الاقتصادات ورؤية الشباب لأحلامهم تتلاشى أمام أعينهم، سيكون لهما أثر كبير على الصحة العقلية والرفاه

وينتشر مثل هذا الاضطراب على مستوى العالم في أعقاب الوباء، لكن اليأس واضح بشكل خاص في الشرق الأوسط، حيث تركت موجات الحرب والنزوح والمرض هذا الجيل يشعر بالمرارة واليأس. وبينما في الغرب، يعتقد العديد ممن فقدوا وظائفهم أنهم سيستعيدون وظائفهم في نهاية الأمر أو يتعافون بطريقة ما من الركود. ضرب الوباء في بعض الدول العربية الاقتصادات ضربة قاضية، حتى أنها تقف الآن على حافة الانهيار الكامل.

وتتفاقم التوترات أيضًا لأن الحياة في دول العالم العربي تميل إلى أن تكون مخططا لها بشكل أكبر من نظيراتها في الغرب. تزيد التوقعات الثقافية من الضغط على الذكور لكسب ما يكفي حتى يتمكنوا من الخروج والزواج وإعالة الأسر.

وقال طارق حق، أخصائي توظيف في وكالة العمل التابعة للأمم المتحدة ببيروت “بالنسبة للعديد من الشباب، فإن رؤية الاقتصادات تنهار، ورؤية آفاقهم وأحلامهم تتلاشى أمام أعينهم، سيكون لهما بلا شك أثر كبير على الصحة العقلية والرفاه”.

وحتى قبل انتشار الوباء، قُدرت نسبة تشغيل الشباب في المنطقة العربية في عام 2019 بنحو 26.4 في المئة، مقارنة بالمعدل العالمي البالغ 13.6 في المئة، وفقًا لتقديرات منظمة العمل الدولية. وفي حين أنه من السابق لأوانه التنبؤ بتقديرات ما بعد جائحة كورونا، إلا أن البيانات المبكرة تشير إلى أن أكثر من 70 في المئة من الشباب في المنطقة يعملون في وظائف غير رسمية، وأن 40 في المئة منهم يعملون في تلك القطاعات الأكثر تضررا من الوباء.

أزمات تتفاقم

السياسيون أجهضوا أحلام شباب لبنان
السياسيون أجهضوا أحلام شباب لبنان

في دول عديدة في الشرق الأوسط مثل العراق ولبنان وسوريا، هناك انهيار اقتصادي غير مسبوق يهدد بدفع المنطقة في قلب العالم العربي إلى فقر مدقع وتجدد الاضطرابات.

فقد انهارت عملتا لبنان وسوريا، وبدأ التضخم في الظهور. وفي العراق، حيث تقل نسبة 60 في المئة من السكان عن 25 سنة، أدى الانهيار الكبير في عائدات النفط إلى استنفاد الميزانية. ولا يستطيع حوالي نصف خريجي الجامعات العثور على فرص عمل في القطاعين العام والخاص منذ عام 2018.

وفي العراق ولبنان، أدى الغضب من الفساد ونقص الخدمات الأساسية والحكام الذين فشلوا في خلق وظائف أو تحسينات في حياة الشباب العام الماضي إلى نزول الناس إلى الشوارع في احتجاجات غير مسبوقة على الصعيد الوطني والتي انتهت في ما بعد دون أن تصل إلى أي شيء.

والآن، يتطلع الملايين من الشباب إلى المغادرة، ولكن الآن فقط لن يكون هناك سوى عدد قليل من الدول المستضيفة في الغرب، حيث تتصاعد المشاعر المعادية للهجرة وتكافح الاقتصادات المحلية من أجل البقاء.

فقد وسام الشيخ (30 سنة) عمله مؤخراً كمدير في محل ملابس في وسط بيروت بعد أن قرر المالك إغلاقه في نهاية العام الماضي. وقد وفرت تلك الوظيفة دخلاً حيويًا لعائلته المكونة من ستة أفراد، هم والداه وأشقاؤه الثلاثة. ووسام هو فقط من كان يعمل في العائلة. وفي هذا الأسبوع، شاهد الشيخ وأصدقاؤه أنباء تفيد بتوصل الزعماء الأوروبيين إلى اتفاق لإنشاء صندوق تعافي غير مسبوق بقيمة 1.8 تريليون يورو لاقتصاداتهم التي دمرها الوباء.

وقال أمجد رمضان وهو مندوب مبيعات بدوام جزئي “هنا، يقولون لنا أن نزرع في حدائقنا حتى نأكل”. وكان يشير إلى دعوات زعيم حزب الله حسن نصرالله وسياسيين آخرين إلى اللجوء إلى الزراعة المنزلية كوسيلة لإعالة الأسر خلال الأزمة.

انفصل الشيخ مؤخرًا عن خطيبته، ويرجع ذلك إلى الضغط الاقتصادي، ويسخر الآن من فكرة الزواج أو الاستثمار في لبنان، حيث يقول إن انعدام الأمن هو “القاعدة الآن”.

وقال “لقد دمر السياسيون مستقبل كل شاب هنا. أنا في انتظار الفرصة الأولى للخروج من هنا”.

بغياب الأفق لدى الكثير من الشباب اللبناني، تنامت ظاهرة الانتحار مؤخرا وفق أحدث إحصاء رسمي لقوى الأمن الداخلي

وكما هو حال الشيخ، يؤكد الكثير غيره من الشباب عزمهم طرق جميع الأبواب للهروب من الأزمة الخانقة التي يعيشونها في بلادهم.

وأوضح محمد كلش (27 عامًا) “نحن نفكر في الهجرة خصوصًا الذين تخرجوا في الجامعات. الوضع المعيشي خارج البلاد سيكون أفضل للشباب”.

وأقر الباحث في الشركة الدوليّة للمعلومات (غير حكومية)، محمد شمس الدين بوجود رغبة كبيرة بين قطاعات واسعة من الشباب اللبناني في الهجرة خارج بلادهم.

وقال شمس الدين إن الأرقام الدقيقة حيال تلك الظاهرة غير متوفرة لاسيما في ظل إغلاق السفارات الأجنبية في لبنان طوال الأشهر الماضية بسبب تفشي فايروس كورونا.

ويشهد لبنان أسوأ أزمة اقتصادية في تاريخه، تتزامن مع شحّ الدولار وفقدان العملة المحلية أكثر من نصف قيمتها، وارتفاع معدل التضخم، ما جعل قرابة نصف السكان تحت خط الفقر.

وبغياب الأفق لدى الكثير من الشباب اللبناني، تنامت ظاهرة الانتحار مؤخرا ووفق أحدث إحصاء رسمي لقوى الأمن الداخلي، سجّلت في لبنان العام الماضي، 171 حالة انتحار، لأشخاص تتراوح أعمارهم ما بين 18 و29 عاما.

وتشير إحصاءات غير رسمية إلى ضِعف هذه الأعداد خلال العام الجاري، بسبب عدة عوامل أبرزها الأوضاع الاقتصادية الخانقة وتداعيات تفشي فايروس كورونا على سوق العمل في البلاد.

وقالت الأخصائية والمعالجة النفسية، لانا قصقص، إنّ “الدعم النفسي لمن يعانون أفكارا سوداوية أمر مهم”.

وأضافت قصقص “يمرّ لبنان بأوضاع سياسية واقتصادية ومالية غير مستقرّة، دفعت المواطنين وخاصة الشباب إلى القلق والاكتئاب والإرهاق النفسي”.

وتوقع تقرير للأمم المتحدة هذا الأسبوع انكماش بعض الاقتصادات العربية بنسبة تصل إلى 13 في المئة هذا العام، مما يضاعف من معاناة المتضررين من النزاع المسلح. ومن المتوقع أن يتم دفع 14.3 مليون شخص آخرين نحو الفقر، مما يرفع العدد الإجمالي إلى 115 مليون نسمة أي ربع مجموع السكان العرب.

خطط للمستقبل

تتحدث الصيدلانية العراقية الديواني عن حياتها طوال سنوات الحرب وعدم الاستقرار. فقد كانت في الصف الثاني في عام 2003 عندما أطاحت القوات الأميركية بالرئيس الأسبق صدام حسين وغرق العراق في سنوات من سفك الدم الطائفي، وأصبحت تفجيرات السيارات المفخخة روتينًا يوميًا.

وقالت “كنت أبقى مستيقظةً في الليل، خائفة بدون كهرباء”.

وعانى العراقيون السنوات الأخيرة من الإرهاب الذي زرعه تنظيم داعش، الذي سيطر على ما يقرب من ثلث البلاد في عام 2014.

وفي عام 2017، التقت الديواني بعاصم بجامعة بغداد، حيث كانت تدرس الصيدلة. أحبا بعضهما البعض ولفترة من الزمن بدا العالم مكانًا أفضل.

وضعوا خططًا معًا. بدأت الديواني العمل في صيدلية في بغداد لكنها أرادت متابعة دراستها في الخارج وكان عاصم سعيدا من أجلها. تم قبولها في جامعة هيدرسفيلد في ويست يوركشاير، بإنكلترا للحصول على درجة الدراسات العليا. كان والداها داعمين وساعدا في توفير ميزانية لرحلاتها، والتي أضافتها إلى المال الذي كسبته من عملها.

انعدام الأمان

ماذا بعد الدراسة
ماذا بعد الدراسة

قالت الديواني “كان حلمي أن أنهي الدراسة وأن أتزوج من الرجل الذي أحبه”. وبدأت في تحضير أوراقها وطلب التأشيرة. آخر شيء كان من المفترض أن تفعله هو ترجمة درجة البكالوريوس من العربية إلى الإنجليزية لإرسالها إلى الجامعة. ثم ظهر فايروس كورونا وتبخرت كل تلك الأحلام.

علقت الجامعة قبولها، وهي قلقة من فقدان مكانها وتشعر بعدم الأمان بما يكفي للسفر مرة أخرى. ويقدر عاصم خسائره من التأخير في تنفيذ مشروع المخبز، الذي كان من المفترض افتتاحه في مايو، بنحو 10 آلاف دولار.

وأثناء العمل في الصيدلية في حي الكرادة ببغداد، تقابل الديواني الأشخاص المشتبه في إصابتهم بالفايروس كل يوم. تعود إلى المنزل خائفة وقلقة من أنها قد تحمل العدوى إلى عائلتها.

وقالت “دمرني فايروس كورونا ودمّر أحلامي ومستقبلي بطريقة غير متوقعة. الآن المستقبل غير معروف، ولا يمكنني التفكير في كيف يمكننا التخلص من هذا الكابوس”.

ووفقاً للسفارة الأميركية في بغداد، لن يتمكن ما بين 200 و250 طالباً كان من المقرر أن يدرسوا في الولايات المتحدة هذا العام، من السفر بسبب القيود المفروضة جراء كوفيد – 19.

ويعتمد معظم الطلاب الأكبر سناً على برنامج التوظيف الجماعي للحكومة، حيث يتم تعيين الخريجين الجدد في وظائف في القطاع العام المتضخم في البلاد. لكن الحكومة كافحت من أجل استيعاب الموجات الجديدة من الخريجين في السنوات الأخيرة، الأمر الذي يثير قلق الطلاب المقبلين على التخرج.

وأكثر من 60 في المئة من سكان العراق البالغ عددهم 40 مليون نسمة، هم دون الخامسة والعشرين، ويقدر بأن يزيد عددهم عشرة ملايين بحلول العام 2030.

وإضافة إلى تعطل المشاريع وتأثير الفايروس على التحصيل الدراسي للشباب، كشف خبراء نفسيون واجتماعيون أن هناك تزايداً بمعدلات إدمان المخدرات بين فئة الشباب من الجنسين في ظل الوضع الحالي، فضلاً عن تزايد حالات الطلاق والتفكك الأسري بل وارتفاع معدلات الإصابة بالأمراض النفسية ومنها الوسواس والاكتئاب في ظل غياب النشاط وقلة الحركة وتقييد حرية الناس.

19