كورونا يغير بوصلة العمل الخيري خلال شهر رمضان في مصر

حظر موائد الرحمن يجعل المساعدات تصل إلى أصحابها في الستر.
الثلاثاء 2021/04/20
رحمة وتآزر

اعتاد الفقراء في مصر خلال شهر رمضان البحث عن موائد الإفطار مع ما في ذلك من إحراج، فالجوع يدفعهم إلى ذلك مكرهين، لكن مع حظر هذه الموائد الجماعية بسبب تفشي الوباء، صارت الإعانات تصلهم إلى بيوتهم فتحفظ لهم ماء الوجه وترفع عنهم الإشهار.

اعتاد شعبان محمد، وهو رب أسرة بسيطة تعيش في منطقة حلوان بجنوب القاهرة، أن يتناول إفطاره خلال شهر رمضان على إحدى موائد الرحمن القريبة من البرج السكني المسؤول عن حراسته، ويصطحب أولاده الثلاثة ويترك بناته الثلاث برفقة والدتهن في المنزل حفاظا على صورتهن وتجنب إحراجهن وسط الرجال.

يعترف الرجل أنه كان يتناول وأولاده الذكور الإفطار على مائدة مليئة بأطعمة شهية لا يستطيع شراء مكوناتها لارتفاع تكلفتها مع ندرة المال وقلة الدخل الشهري، في حين أن بناته وزوجته كن يتناولن أطعمة بسيطة أثناء الإفطار لعدم استطاعتهن الخروج والجلوس على مائدة وتناول الطعام في الشارع خوفا من أن تسلط عليهن نظرات المارة.

قال شعبان لـ”العرب” إن إلغاء موائد الرحمن لظروف جائحة كورونا مع قرار الحكومة منع التجمعات فرصة ثمينة للأسر الفقيرة ليصل إليها العمل الخيري حتى البيوت، ويستفيد الكبير والصغير والرجل والمرأة دون تمييز أو خوف من الإشهار، حيث تم إبلاغه من جانب عاملين مع أحد أغنياء المنطقة بأن وجبات إفطاره ستصله يوميا حتى باب منزله هو وأفراد أسرته.

وقررت الحكومة المصرية قبل نحو أسبوع من بداية شهر رمضان حظر إقامة موائد الرحمن للعام الثاني على التوالي لتجنب الاختلاط العشوائي بين الناس، ومنع الزحام في الخيام الرمضانية الشهيرة مع صعوبة السيطرة على تصرفات البعض، في ظل محاولات السيطرة على الموجة الثالثة من جائحة كورونا قبل تفاقم الأوضاع بشكل يصعب السيطرة عليها في أعداد الإصابات.

الوباء بيّن أن أعمال الخير كثيرة، وأكبر من مجرد مائدة طعام يتم تنظيمها في الشارع وسط المارة

يعد شعبان واحدا من مصريين كثيرين يعيشون تحت خط الفقر ينتظرون موائد الرحمن كل عام، حيث تعوضهم عن قدر من الحرمان الذي يعيشونه طوال السنة لأن ظروفهم المادية لا تسعفهم لشراء أطعمة بعينها، والكثير منهم يستثمرون موائد الأغنياء لخفض النفقات المخصصة لوجبات الإفطار وتوجيهها لأبواب أخرى.

نادرا ما تجلس النساء بمختلف أعمارهن على موائد الرحمن لأسباب ترتبط بالخجل وتجنب الاحتكاك بالرجال وعدم الشعور بالراحة وتجنب التصرفات السلبية من البعض، وكانت مشاركة الرجال الصورة التي اعتاد عليها المجتمع منذ أن عرف طريق العمل الخيري خلال شهر رمضان والتركيز على إطعام البسطاء في الخيام.

تتذكر أم ياسين أن زوجها كان يتناول الإفطار يوميا على إحدى الموائد وكان يسقط نفسه من حسابات تكلفة الطعام الذي تشتريه الأسرة في رمضان، فهم يعيشون أوضاعا بالغة الصعوبة، وتوفير الجنيه الواحد يوميا شيء مهم للغاية، ولهذا لم تكن تضع في الحسبان أن الأب سيفطر مع العائلة، وتشتري ما يكفي للموجودين بالمنزل.

ما كان يثير امتعاض الأم أن موائد الرحمن تقدم خدماتها لمن يذهب إليها فقط، وهو شيء مستحيل على الفتيات والسيدات وكبار السن من المنتمين للأسر الفقيرة، ومع إلغاء الموائد هذا العام باتت الاستفادة أكبر، وعم الخير على كل أفراد العائلة عندما قدم الأغنياء المساعدة للمحتاجين بطريقة آدمية بعيدا عن زحام الشارع.

توسيع دائرة المستفيدين

الوباء يمنع التجمع
الوباء يمنع التجمع

قال أحمد كريمة أستاذ الفقه والشريعة بجامعة الأزهر لـ”العرب” إن إلغاء موائد الرحمن وسع دائرة العمل الخيري بعد أن كان قاصرا على إعداد الطعام في الخيام للفقراء والمحتاجين، لافتا إلى أن الأفضل لمن يريد الخير في رمضان والمستفيدين منه أن يكون العمل بعيدا عن أعين الناس بدافع السترة وعدم التشهير والمجاهرة.

وأضاف أن كورونا أثبت أن أعمال الخير كثيرة وأكبر من مجرد مائدة طعام يتم تنظيمها في الشارع وسط المارة، مع أن توزيع الطعام والسلع على المحتاجين وهم جالسون في بيوتهم لا يصيبهم بأذى نفسي ويجنبهم جرح مشاعرهم، وتكون الاستفادة عامة، ولا تستهدف من يداومون على الذهاب إلى الموائد من الرجال فقط.

جلبت جائحة كورونا المزيد من الخير للأسر البسيطة، فمن كان يداوم على إقامة مائدة شهية أصبح مضطرا للبحث عن بديل أكثر مثالية لعدم التخلي عن هذه العادة السنوية، وصارت هناك مشاهد أكثر إنسانية بتقديم العمل الخيري في صورة حضارية تحفظ إنسانية الفقراء، وتضمن لهم الراحة والطمأنينة وتتيح إليهم خيارات متعددة.

تنوعت المكتسبات بين تسليم الوجبات إلى بيوت البسطاء عن طريق متبرعين يتعاونون مع الأغنياء الذين اعتادوا إقامة موائد الإفطار، أو عبر ذهاب رب الأسرة إلى مقر توزيع الأطعمة للحصول على ما يكفيه وأسرته ليجلس أفراد العائلة جميعا داخل منزلهم، وليس في الشارع وسط المارة، وهي ميزة لم تكن توفرها الخيام.

حاولت “العرب” رصد هذه المشاهد وتوثيقها بالصور، لكنها واجهت رفضا متكررا من أصحاب الخير، حفاظا على مشاعر البسطاء وعدم التشهير بهم، وإضفاء قدر من السرية على العمل ليكون الثواب أكبر، ووافقوا على الحديث شريطة عدم التصوير، في مؤشر يعكس زيادة الوعي المجتمعي تجاه طريقة المساعدات الخيرية، والاقتناع بأن الاكتفاء بالموائد كان أسلوبا خاطئا.

كان إفطار رب الأسرة وعدد من أولاده يوميا خارج جدران البيت يشكل مشكلة نفسية لباقي أفراد العائلة، فهناك فريق بالشارع وآخر بالمنزل على وقع الفقر وقلة الحيلة، مع أن تجمع الأبناء والأبوين على طاولة واحدة في رمضان من المشاهد التي تضفي بهجة وتمثل فرصة لعودة مشاعر المودة والتراحم والتلاقي بين الآباء والأبناء.

والميزة الأهم لاختفاء موائد الرحمن أن هناك شريحة كبيرة من البسطاء لم تكن تشارك فيها أو تفكر في تناول الطعام عليها لأسباب ترتبط بعزة النفس وعدم خلق صورة بأن الظروف المادية وصلت إلى مرحلة لا تستطيع معها شراء المأكولات، كما أن فئة ليست قليلة من الفقراء مستعدون لتناول أقل شيء بعيدا عن الحرج.

من هؤلاء إبراهيم نبوي الذي يعمل في مجال النظافة بإحدى مدارس القاهرة، فلم يشارك يوما بمائدة طعام خيرية، رغم أن أسرته المكونة من أربعة فتيات وزوجته تعيش كل أنواع الحرمان، لكنه أخذ عهدا على نفسه بأن يشارك أولاده على طاولة الإفطار مهما كان نوع الطعام، لأنه يخشى على بناته من الصورة التي قد تؤخذ عن والدهن مع بلوغهن سن الزواج.

رمضان مختلف

يبدو الصيام هذا العام مختلفا لدى أسرة هذا الرجل عزيز النفس، حيث فوجئ قبل أيام بأن بائع اللحوم الذي يمتلك متجرا مجاورا لمنزله كان يقيم مائدة كل سنة، أبلغه بأنه سيرسل إليه كيلوغراما من اللحم كل يومين كبديل عن إلغاء المائدة، وقال الأب لـ”العرب” مبتسما “أسرتي تكاد لا تتذوق اللحم إلا في عيد الأضحى (…) هذه ميزة إلغاء الموائد”.

كان يأتي إلى مائدة الإفطار التي يقيمها الجزار سنويا نحو 50 شخصا، وكان يخصص لها مبلغا ماليا كبيرا، لكنه ابتدع فكرة توزيع اللحم بشكل مجاني على الأسر البسيطة إيمانا منه بضرورة الاستمرار في العمل الخيري الذي يقوم به كل عام، حيث يتناول البسطاء طعامهم في منازلهم ويطهون اللحوم بالطريقة التي تحلو لهم.

ذهب بعض أصحاب الخير إلى فكرة استقدام طهاة محترفين وإعداد وجبات لتوزيعها على محدودي الدخل والمارة أو عابري السبيل، وهذه محاولة مبتكرة لتعويض غياب مائدة الرحمن، ويبرر هؤلاء موقفهم بأنهم يشعرون ببهجة مضاعفة عندما يشاهدون البسطاء وهم يتسلمون الطعام المغلف لهم خصيصا، ويقومون بالدعاء لهم بسعة الرزق والستر وراحة البال.

تسبب حصول البسطاء على مساعدات من الأغنياء مباشرة دون وسيط في قطع الطريق على الجمعيات الخيرية المملوكة لجماعات إسلامية مختلفة على رأسها الجماعة السلفية، حيث كان القائمون عليها يحثون الناس على التبرع لهم بالمال والطعام والسلع، ليتولوا هم مهمة توصيلها إلى الفقراء، ويقدمون أنفسهم لهذه الفئة باعتبارهم التيار الديني الذي يعوّض غياب الحكومة عن مساعدة محدودي الدخل.

ظل الإسلاميون حتى وقت قريب يستثمرون الوساطة بين المقتدرين والمحتاجين، خاصة في الجمعيات التابعة للمساجد للنفاذ إلى الشرائح الكادحة، وحجز مكانة استثنائية لديهم، في محاولة لتغيير الصورة الذهنية الراسخة عنهم بأنهم صاروا يتاجرون بالدين لتحقيق مآرب سياسية مشبوهة، ومع التواصل المباشر بين فاعلي الخير والمستهدفين منه جرى تغييب الجماعات الدينية من المشهد.

ارتفاع منسوب التضامن

فئة من المقتدرين تعاقدت مع أصحاب المطاعم لإعداد مأكولات في بعض المناطق السكنية، مع التنويع في الطعام يوميا
فئة من المقتدرين تعاقدت مع أصحاب المطاعم لإعداد مأكولات في بعض المناطق السكنية، مع التنويع في الطعام يوميا

رأى عادل بركات الباحث في القضايا الاجتماعية أن الاحتكاك المباشر بين الأغنياء والبسطاء في العمل الخيري يعكس ارتفاعا واضحا في منسوب التضامن الاجتماعي، ويقضي على استغلال أي طرف ديني لزيادة الفقر بين الناس، واختفاء الموائد بشكل عام وإن كان بسبب كورونا جلب الكثير من المنافع.

ولفت في تصريح لـ”العرب” إلى أن اختفاء الموائد كشف عن أصحاب الأعمال الخيرية الحقيقيين، فهناك شريحة كانت تقدم على هذه الخطوة بدافع الخصم من الضرائب المستحقة عليها للدولة، وهؤلاء تاجروا بمعاناة البسطاء لسنوات طويلة، لكن سرية العمل الخيري وحدها أظهرت المخلصين من المزيفين.

إذا كانت أسر الفقراء أكثر المستفيدين من تحويل بوصلة العمل الخيري من الموائد إلى البيوت مباشرة، فهناك شرائح أخرى استفادت من هذا التحول على غرار بعض أصحاب المطاعم والوجبات الجاهزة الذين تعاقدت معهم فئة من المقتدرين لإعداد مأكولات في بعض المناطق السكنية مع التنويع في الطعام يوميا.

الشاب أحمد أنس الذي يستأجر مطعما في منطقة عين شمس بالقاهرة والذي كان يعاني من ندرة البيع تعاقد معه أحد الأطباء المقتدرين ماديا على تجهيز نحو 40 وجبة يوميا، والتكفل بمهمة توزيعها على البسطاء المقيمين في المنطقة المجاورة للمطعم، وأمام العائد المادي المعقول الذي سوف يجلبه خفّض سعر الوجبة كي يستفيد بجزء من العمل الخيري.

وقال صاحب المطعم لـ”العرب” إن غياب موائد الرحمن انعكس إيجابيا على أغلب الأسر البسيطة، مدللا على ذلك بأنه شخصيا لديه قائمة بأربعين رب أسرة سوف يأتون كل مساء لاستلام وجبات تكفي أفراد عائلاتهم، وصاحب العمل الخيري ترك له اختيار أصناف الطعام شريطة الحرص على جودتها.

يشعر الشاب ورفاقه بالمطعم بسعادة من نوع خاص، فهم يقومون بعمل يجلب لهم الثواب والخير ويتربحون ماليا، ويدركون جيدا أن لهم نصيبا من دعوات المحتاجين، مؤكدا أنه تعهد بأن يطهو للبسطاء بطريقة كما لو كان سيقوم بإعداد الطعام لنفسه، ولم يدرك أن كورونا جاء بإيجابية تحفظ إنسانية رواد الموائد.

تعكس مشاهد الموائد حالة فريدة من نوعها ترتبط باستمرار التكافل الاجتماعي بين الأغنياء والفقراء حتى مع الظروف الاقتصادية الصعبة التي تطال الجميع، لكن الميزة الأهم في المداومة على الترابط بين المقتدر والبسيط خلال رمضان، فإذا كانت الجائحة حالت دون الاحتكاك المباشر عبر المائدة، فقد أفرزت ظواهر أكثر إيجابية تتجلى في تعاقد شريحة واسعة من الأغنياء مع المتاجر ومحال السلع الغذائية لإعداد كراتين تحتوي على مواد أساسية تحتاجها كل أسرة، مثل الأرز والمكرونة والزيت والبقوليات والسكر والشاي والتمر، وهناك فئة اعتادت أن تخصص عشرات الآلاف من الجنيهات لإقامة مائدة الرحمن صارت توجه هذه المبالغ لتوزيع السلع.

تكفي الكرتونة الواحدة احتياجات أسرة مكونة من أب وأم وابنين من المستلزمات الغذائية الضرورية لثلاثة أيام، ولأن أغلب فاعلي الخير لجأوا إلى هذه الفكرة كبديل عن إقامة المائدة المحظورة حكوميا، تصل اثنتان من الكراتين لكل عائلة بسيطة أسبوعيا دون أن تحتاج لشراء أي سلعة على مدار شهر رمضان.

وترى أغلب عناصر المنظومة الخيرية أن هذه المكتسبات لم تكن لتحدث في زمن الموائد الرمضانية رغم أبعادها الإنسانية المتعددة، فمن اعتادوا الإفطار عليها صاروا جالسين على الطاولة في منازلهم برفقة باقي أفراد العائلة، ومن كانوا يعيشون قلة الحيلة لاقتناء السلع بات لدى أغلبهم فائض في ذروة الغلاء وصعوبات المعيشة.

 
20