كورونا يقطع رزق ذوي الاحتياجات الخاصة في فلسطين

القطاع يعاني أزمات عديدة إذ تجاوزت نسبة الفقر فيه 53 في المئة، وفق الخبير الاقتصادي ماهر الطباع.
الأربعاء 2020/08/05
رحلة الكفاح من أجل العيش

رفح (الأراضي الفلسطينية) - بأصابع ماهرة، يحيك نهاد وزينب الدمى والأزياء الملونة. وحتى وقت قريب، كان بمقدور الزوجين المعوّقين حركيا بيع هذه الدمى، لكن جائحة كورونا أثرت سلباً على وضعهما المالي.

ويشكّل كسب قوت العيش تحديا كبيرا لسكان قطاع غزة الفلسطيني الذي تحاصره إسرائيل ويخضع لسيطرة إسلاميي حركة حماس، في ظل نسبة بطالة تخطت 50 في المئة وفق أرقام رسمية.

ويكافح العديد من ذوي الاحتياجات الخاصة من القطاع في كسب قوته من خلال صناعة الدمى وكذلك النساء اللاتي يعشن في القرى الحدودية المهمشة.

وقد نجحت العديد من المؤسسات في تسويق هذه الدمى على المستوى المحلي والعربي، والتي باتت تستخدم أيضا في العروض المسرحية التعليمية.

وحول فكرة صناعة الدمي قال نهاد، “إنها جاءت نتيجة غلاء الأسعار، لأن الدمى المستوردة قيمتها باهظة، موضحا أن سعر الدمية الواحدة يصل إلى ( 500 شيكل) أي ما يعادل (146 دولارا)، ولكن عندما تمكنا من صناعتها محليا باتت أسعارها أوفر بكثير من المستورد.

إلا أن التحدي أكبر أمام نهاد جربوع (37 عاما) الذي يعاني إعاقة جسديّة منذ الطفولة، وزوجته زينب (35 عاما) التي بُترت قدماها قبل خمس سنوات إثر إصابتها بمرض نادر بعد ولادة طفلها الثاني.

وقد حوّل الزوجان المقعدان منزلهما الصغير في وسط مخيم رفح للاجئين في جنوب قطاع غزة، مشغلا لحياكة الدمى من القماش المحشو بالقطن، والأزياء الفخمة والملونة المستوحاة من شخصيات كرتونية.

لم يأت سوى عدد قليل من الزبائن لمنزل جربوع لشراء الدمى بأسعارها الزهيدة منذ بداية تفشي فايروس كورونا

وتقول الزوجة زينب، “في البداية كنا نواجه الكثير من الصعاب، كيف يمكن أن نصنع الدمى ونحن لا نمتلك أي خبرات، و حينما لجأنا لمشاهدة فيديوهات حول عمليات تصنيع الدمى، سهل الأمر علينا كثيرا واخترنا أن نصنعها يدويا لأنها أقل تكلفة لنا، والحمد لله نجحنا بذلك”.

يشرح الرجل ذو اللحية المشذبة وضع مشروعه الصغير قبل وبعد انتشار وباء كورونا قائلا، “كنا نبيع ما بين 20 و30 دمية شهريا مقابل 10 شيكل للدمية الواحدة (حوالي ثلاثة دولارات)”، قبل الأزمة الصحية الراهنة.

ويوضح، “لدينا فرقة مهرجين يطلق عليها اسم ‘دباديب’، نقيم حفلة شهريا في روضة أو مؤسسة مقابل 20 شيكل”، لكن “كل شيء توقف بسبب كورونا”.

لم يتأثر القطاع الذي يسكنه نحو مليوني شخص، كباقي الأراضي الفلسطينية بفايروس كورونا المستجد، إذ سجلت وزارة الصحة 78 إصابة وحالة وفاة واحدة في القطاع، بينما سجلت في الضفة الغربية 12692 إصابة و83 حالة وفاة.

في مارس الماضي، فرضت حكومة حماس إجراءات مشددة بإغلاق معبري رفح الحدودي مع مصر، وبيت حانون (إيريز) الذي يفصل القطاع عن إسرائيل. كما أغلقت قاعات حفلات الزفاف والمدارس والمساجد ومنعت التجمعات للحد من تفشي الوباء.

ورغم تخفيف هذه الإجراءات قبل أسابيع، لم يتلق جربوع سوى طلبين لإقامة حفلات مهرجين. ولم يأت سوى عدد قليل من الزبائن إلى منزله لشراء الدمى بأسعارها الزهيدة منذ بداية تفشي الفايروس. إزاء ذلك يقول جربوع، “البيع حاليا ضعيف جدا بسبب الوضع الاقتصادي المتردي مع ظهور وباء كورونا”.

ويتلقى أحيانا طلبات من بعض الزبائن عبر حسابه على فيسبوك، لصناعة دمية أو أزياء مهرجين ملونة.

وتجلس زينب على كرسيها المتحرك وهي تجهز إبريق شاي على موقد نار بجانب سريرها. وتقول بشيء من التحدي “مع تفشي فايروس كورونا الوضع أصبح صعباً جداً، لكن لن نستسلم”. ولدى زينب ونهاد طفلان، فتاة في السابعة من العمر وفتى في الخامسة.

كورونا يعمق أزمة القطاع الاقتصادية
كورونا يعمق أزمة القطاع الاقتصادية

وتعاني المرأة في ترتيب وتنظيف منزلها المسقوف بالقرميد والمكون من غرفة واحدة، إذ تضع أدواتها لصناعة الدمى والأزياء في خزانة خشبية صغيرة تخزن فيها أيضا أواني الطهي البسيطة، وبجانبها حمام صغير.

وتضيف “لدي إرادة تحدّ، أريد أن أربي الأطفال ليعيشوا حياة كريمة، نحتاج مصدر رزق ومنزلا صالحا للعيش، حاليا الأوضاع ازدادت سوءاً”.

ويطمح الزوجان المقعدان أن يستطيعا تطوير مشروعهما البسيط في صناعة الدمى يدويا، وذلك من أجل المساهمة في تنفيذ فكرتهما الأساسية بتقديم الدعم النفسي والتوعوي لفئات مختلفة من المجتمع، وكذلك ليكون مصدر دخل لهما لمساعدتهما على صعوبة الحياة بدلا من انتظار يد المساعدة من أحد.

وعائلة جربوع التي تتحدر من قرية بير سالم قرب الرملة، تتلقى مساعدات تموينية من وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا)، غير أن “هذه المساعدات لا تكفي لتوفير الطعام”، بحسب زينب.

ويشكل اللاجئون نحو ثلثي سكان القطاع الفقير والذي تحاصره إسرائيل منذ ما يزيد عن عقد. ويعاني القطاع أزمات عديدة إذ تجاوزت نسبة الفقر فيه 53 في المئة، وفق الخبير الاقتصادي ماهر الطباع.

ويؤكد الطباع المسؤول في غرفة تجارة وصناعة غزة أن “80 في المئة من سكان القطاع يعتمدون على المساعدات الغذائية”، لافتا إلى أن “أزمة كورونا عمقت الأزمات الاقتصادية في القطاع وأوقفت عجلة الاقتصاد”. ويحذر من زيادة معدلات البطالة والفقر.

وقد فاقم إغلاق المعابر الحدودية في القطاع منذ مارس الماضي بشكل شبه كلي، من صعوبة الأوضاع الاقتصادية والمعيشية، بحسب الطباع.

20