كورونا يكشف السيطرة الوهمية للمؤسسات الدينية على المساجد في مصر

تقرير رسمي يكشف عن حجم النفوذ السلفي داخل دور العبادة بعد إحالة 15 إماما وخطيبا للنيابة العامة بسبب مخالفتهم قرار غلق المساجد.
الثلاثاء 2020/04/07
صلوات في الشوارع

تكفي المتابعة الدقيقة لتعامل الحكومة المصرية مع مسألة غلق المساجد كأحد إجراءات مواجهة جائحة كورونا، لاكتشاف السيطرة الوهمية من جانب وزارة الأوقاف على الكثير من دور العبادة، في المناطق الحضرية والريفية، بعدما أظهرت تقارير رسمية مخالفة العشرات من المساجد لقرارات الغلق، وإصرار بعض الأئمة المسؤولين عن إدارتها على إقامة الصلوات في مواعيدها.

أظهرت وزارة الأوقاف المصرية مؤخرا قدرتها على إحكام قبضتها على المساجد، ونجحت في إقصاء التيار السلفي المتشدد عن الخطابة والإمامة، حتى جاءت أزمة كورونا لتزيح الستار عن استمرار وجود الكثير من شيوخ السلفية والأزهريين من أصحاب الفكر المتطرف في مواقعهم ويتحكمون في مقاليد ما يجري داخل المساجد.

وكشف تقرير رسمي صادر عن وزارة الأوقاف قبل أيام، حجم النفوذ السلفي داخل دور العبادة، فهناك أكثر من 15 إماما وخطيبا تمت إحالتهم إلى النيابة العامة، لأنهم خالفوا قرار غلق المساجد وأصروا على إقامة الصلوات في مواعيدها بحضور مواطنين، وبينهم من تمسك بأداء صلاة الجمعة، وآخرون التفوا على القرار ودعوا الناس إلى الصلاة في زوايا صغيرة.

ما يعزز إخفاق المؤسسة الدينية المسؤولة عن المساجد في تطهيرها من الإسلاميين، أن أجهزة الأمن أصبحت تقوم بهذا الدور، بترصد فتح دور العبادة وإلقاء القبض على أشخاص يصرون على الصلاة فيها وكسر الحظر، ما سبب حرجا بالغا لوزارة الأوقاف التي يُفترض أنها تنتقي الأئمة والخطباء والعاملين في المساجد بعناية شديدة.

بلغ التحايل السلفي على إجراءات الحكومة أن بعض الشيوخ يؤذنون للصلاة في المساجد، ثم يقومون بإمامة الناس في حارات مجاورة لها، وهو ما حدث الجمعة الماضية عندما رصدت لقطات مصورة انتشرت على نطاق واسع على مواقع التواصل الاجتماعي، قيام بعض أئمة المساجد بتجميع الناس لخطبة الجمعة في شوارع جانبية بين الأبراج السكنية، للهروب من الملاحقة الأمنية، وتجنيب أنفسهم العقاب الإداري من وزارة الأوقاف.

تكمن الأزمة في أن بعض المواطنين المتدينين يشعرون بالخجل من أنفسهم عندما يشاهدون مسجدا يحتشد فيه الناس للصلاة خلف الإمام، وهم جالسون في منازلهم التزاما بقرارات الحكومة، خاصة عندما يرّوج شيوخ التيار السلفي أن الذين يتقربون إلى الله في المسجد ولا يخشون الإصابة بالوباء، أكثر تدينا من هؤلاء الذين استجابوا للتحذيرات الرسمية وتخاذلوا عن “عمارة بيوت الله في الأرض”.

Thumbnail

ما يلفت الانتباه، أنه عند مطالعة هوية الأئمة الذين جرى توقيفهم من جانب أجهزة الأمن، أو حتى المُحالين إلى النيابة العامة، يتبين أن بينهم دعاة أزهريين، والمفترض أن هؤلاء بمثابة البديل الآمن للسلفيين في المساجد، لأنهم أكثر وسطية وفهما للدين من الشيوخ المتشددين، ما يعني أن الأزمة متشعبة ولم تعد مرتبطة بانتماء الإمام والخطيب إلى الأزهر أم إلى السلفية، بقدر ما تتعلق بأن التطرف لم يعد قاصرا على فئة بعينها، بل أصبح نافذا في مؤسسات دينية مختلفة.

حسب نشأت زارع، كبير أئمة وزارة الأوقاف الذي تحدث مع “العرب”، فإن السلفيين مصابون بالتدين المغشوش والغباء الفقهي، ويجدون ضالتهم في الأشخاص الذين يعتبرون المساجد مرآة للإسلام، فتراهم يزايدون على المؤسسات الدينية ويخترعون فتاوى ترهب الناس بغرض الاستجابة لهم، وتصوير أنفسهم على أنهم التيار الذي يمثل الدين الصحيح لتمسكهم بالتراث، حتى أصبحت بعض دور العبادة مصابة بتطرف الإمام والمأموم.

لا ينكر بعض الأفراد أن السياسة المتحجرة لوزارة الأوقاف دفعتهم إلى السير خلف دعوات السلفيين والإخوان، لأنها هي التي زرعت في أغلب المساجد أئمة وخطباء لغتهم جافة، وثقافتهم محدودة، ولديهم الخطوط التي لا يحيدون عنها، ويلتزمون بخطب مكتوبة لا تناسب الواقع ولا تلبي احتياجات الناس وبعيدة عن الأمور والقضايا الحياتية.

ويرى مراقبون أن استمرار هيمنة شيوخ السلفية على المساجد نتيجة طبيعية للتراخي الحكومي في التصدي بقوة وحسم لإصرارهم على تقديم أنفسهم كتيار بديل عن المؤسسات الدينية الرسمية، وتمرير فتاواهم المتطرفة وأحيانا التكفيرية دون محاسبة، وهو ما منحهم ثقلا ونفوذا شعبيين لشعورهم بأن ما فعلوه يبدو مقبولا من الحكومة لمناكفة الأزهر.

قال هؤلاء إن الأزمة الراهنة كشفت زيف السيطرة الكاملة على دور العبادة التي طالما روّجت لها وزارة الأوقاف، وحاولت من خلالها إظهار نفسها على أنها الأجدر والأسرع والأكثر قدرة على مواجهة التطرف داخل جدران مؤسساتها، بعكس مؤسسة الأزهر التي أخفقت في المهمة ذاتها، أيّ أن ما كان يتم التسويق له لا يخرج عن كونه دعاية سياسية، أو تبييضا للصورة أمام صانع القرار.

أكد منير أديب، الباحث المتخصص في شؤون التيارات الإسلامية، أن مكمن الخطورة في توحد أهداف الإخوان مع السلفيين لدفع الناس إلى التمرد على إجراءات الحكومة، باللعب على وتر تديّن أغلبية الناس وتصوير غلق المساجد على أنه استهداف للدين من جانب مؤسسات رسمية يتم تحريكها من جانب السلطة، في إشارة إلى الأزهر والأوقاف.

الأزمة لم تعد مرتبطة بانتماء الإمام والخطيب إلى الأزهر أم إلى السلفية، بقدر ما تتعلق بأن التطرف لم يعد قاصرا على فئة بعينها

وأضاف في تصريح لـ”العرب” أن المصيبة الأكبر فتح مساجد كبيرة للصلاة يُفترض أنها خاضعة لرقابة صارمة ويديرها شيوخ على درجة عالية من الوسطية، أما الكارثة الحقيقية فتكمن في استمرار الزوايا الصغيرة في فتح أبوابها أمام المصلين، لأن مثل هذه الأماكن معروف أنها هدف تاريخي للمتطرفين الذين تلقوا دروسهم الدينية فيها، باعتبارها بعيدة عن سيطرة وزارة الأوقاف.

من هؤلاء وليد بدر، المتهم في قضية محاولة الاغتيال الفاشلة التي استهدفت اللواء محمد إبراهيم وزير الداخلية الأسبق قبل سبعة أعوام، حيث كشفت تحقيقات نيابة أمن الدولة العليا، أنه كان يتلقى الدروس الدينية داخل إحدى الزوايا الصغيرة في قرية ريفية بمحافظة المنوفية، على يد متطرفين استطاعوا السيطرة على الزاوية.

تتنوع الزوايا والمساجد في مصر، حسب كل منطقة، حيث يقوم أحد السلفيين ببناء برج سكني على أرض بالمخالفة لقانون البناء، ويتعمد تأسيس مسجد أسفل البرج أو أعلاه، حتى يكون ذلك حصانة للمبنى من صدور قرار إزالة بحقه، باعتبار أن الأمر يتم تصويره للرأي العام على أن الحكومة تهدم المساجد، ما يثير حفيظة الناس، وبذلك يكون المسجد أمرا واقعا.

ولأن وزارة الأوقاف ليست لديها مخصصات مالية كافية لضم هذه النوعية من المساجد المخالفة تحت مظلتها، وسوف تكون مجبرة على تعيين أئمة وخطباء وعمال فيها، فإن سيطرتها تصبح تحت يد السلفيين، وقرارات غلقها أو فتحها تكون وفق أهواء المسؤولين عنها.

أوضح منير أديب أن ما يحدث من السلفيين في المساجد والزوايا، يعكس إصرارهم على أن يكونوا القدوة الدينية، والبديل الأمثل للعلماء الرسميين الذين يعبرون عن السلطان وليس الإسلام حسب مزاعمهم، وهؤلاء يلعبون على وتر حب الناس للدين وانتقاد كل قرار رسمي يقف حائلا أمام تحجيم العبادات، مستغلين في ذلك التقدير المجتمعي للشيخ الملتحي والتعامل معه على أنه الأجدر بالانصياع إلى كلامه حتى لو كان متمردا على الحكومة.

12