كورونا ينعش نشاط التنظيمات المتطرفة

مجموعة الأزمات تحذر من مهاجمة الجهاديين للدول الضعيفة المصابة بالوباء.
الجمعة 2020/04/03
تهديد حقيقي في لحظة انشغال عالمي

مثّل الانشغال العالمي بالتصدي لفايروس كورونا، فرصة للتنظيمات الإرهابية لكي تزيد من نسق عملياتها في أكثر من جغرافيا، ولتدعو أتباعها إلى استهداف “الأعداء”، وإلى الاستفادة القصوى من هذا الأمر، وينبع هذا التصعيد كما هذه الدعوات من مدوّنة فقهية قرأت انتشار الفايروس على أنه “عقاب لغير المسلمين”، ولذلك حذّرت قراءات كثيرة من كون الأزمة المتصلة بفايروس كورونا، يمكن أن تتحول إلى فرصة للمتشددين لمهاجمة الدول التي تحاربهم.

جوهانسبرغ - يرى كلّ من تنظيم داعش والقاعدة أن فايروس كورونا يمثّل تهديدا، لكن بعض مقاتليهما يرى أيضا أن الاضطراب الذي أحدثه الوباء يمثّل فرصة لكسب المزيد من المؤيدين والضرب بقوة أكبر من ذي قبل.

وتبيّن الرسائل الواردة من الجماعات الإسلامية المتطرفة القلق من الفايروس الممزوج ببهجة، مؤكدةً على أنه عقاب لغير المسلمين، بينما تحثّ أتباعها على التوبة والاعتناء بأنفسهم.

حيث اقترح تنظيم القاعدة في بيان صدر الثلاثاء الماضي أن يستغل غير المسلمين وقتهم في الحجر الصحي للتعرّف على الدين الإسلامي.

لكن تنظيم داعش حثّ، في تعليق حاد في نشرة النبأ الإخبارية في منتصف مارس، أتباعه على عدم إبداء الرحمة وشنّ هجمات في وقت الأزمة هذا. وأورد المقال الافتتاحي لجريدة التنظيم أن الحرب شاملة ومستمرة رغم انتشار فايروس كورونا المستجد. وأكد التنظيم أن أنظمة الأمن الوطنية والدولية التي تساعد على الحد من عملياته على وشك أن تخرج عن السيطرة. وشدد مقال النبأ على أنه يجب على عناصر التنظيم “الاستفادة القصوى من هذا الأمر”.

وكان تنظيم داعش نشر في طبعة 19 مارس الماضي، مقالا حملَ عنوان “أسوأ كوابيس الصليبيين”، متحدثا عن تأثير كورونا على “أعداء” التنظيم. مؤكدا أن “الخوف من هذه العدوى أثّر عليهم أكثر من العدوى نفسه”.

ولذلك حذّرت مجموعة الأزمات الدولية في تعليق أصدرته الثلاثاء من أن الوباء يهدد التضامن العالمي الذي يعدّ مفتاحًا لمحاربة المتطرفين.

وقالت “من شبه المؤكد أن الفايروس سيعيق جهود الأمن الداخلي والتعاون الدولي لمكافحة داعش، مما يسمح للجهاديين بإعداد أنفسهم بشكل أفضل لهجمات إرهابية قاتلة”.

وأضاف التقرير “أزمة الصحة العامة هذه يمكن أن تتيح للجهاديين الفرصة لمهاجمة الدول الضعيفة المصابة بالوباء، والتي تقاتلهم فعلا”. وشدد على أن تنظيم داعش يستغل الفوضى المترتبة على مكافحة فايروس كورونا بشكل انتهازي، لاسيما في سوريا والعراق وأماكن أخرى.

تزايد الهجمات

تفشي كورونا سيعيق جهود التعاون الدولي لمكافحة داعش، ما يسمح للجهاديين بإعداد أنفسهم لهجمات إرهابية

على الرغم من أن المحللين قالوا إنه من السابق لأوانه تحديد الهجمات التي يمكن إلقاء اللوم فيها على المسلحين الذين يستغلون أزمة الفايروس، إلا أن المتطرفين الإسلاميين نفّذوا في أواخر مارس هجومهم الأكثر دموية ضد الجيش التشادي، وهو مساهم مهم في جهود أفريقيا المتزايدة لمكافحة الإرهاب، مما أسفر عن مقتل 92 على الأقل من الجنود بالقرب من الحدود مع نيجيريا والنيجر.

كما أعلن تنظيم داعش عبر منابره الإعلامية، السيطرة على منطقة كيسنجا، في موزمبيق، ونشر صورا لعناصر ملثمة ترتدي زيّا مموّها أمام قيادة الشرطة، ومباني حيوية في المنطقة، كما نشر صورا لعدد من الجنود، والأسلحة المستخدمة في الهجوم الإرهابي.

وزعم التنظيم، عبر وكالة أعماق الناطقة بلسانه، سقوط عدد من الجنود في هجوم شمال موزمبيق، على مواقع لشركات النفط، في بلدة موسيمبو دا برايا، في 23 مارس الماضي.

وفي مصر، أفاد مسؤولان عسكريان عن ارتفاع في هجمات داعش في مارس في الجزء الشمالي المضطرب من شبه جزيرة سيناء، لكن قوات الأمن أحبطت ثلاثة اعتداءات كبرى أخرى على الأقل.

وفي حين لم تشهد سوريا والعراق أي زيادة في هجمات داعش منذ انتشار الفايروس هناك، إلا أن الوباء دفع التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة إلى وقف أنشطة التدريب في العراق وسط انسحاب مخطط له من عدة قواعد.

وتراجعت الجيوش الأميركية والبريطانية وغيرها بسبب الفايروس، تاركةً فرصة محتملة للمتطرفين.

وهذا خطر في مناطق الساحل الساخنة في أفريقيا، ومنطقة بحيرة تشاد والصومال، حيث قلق الجيش الأميركي، بالفعل، من الحلفاء في الأشهر الأخيرة وقرر إجراء تخفيضات للتركيز على التهديدات من الصين وروسيا.

ولعل تنامي العمليات الإرهابية في هذا التوقيت الموسوم بالانشغال العالمي بالتصدي لفايروس كورونا، يوحي بوجود دفع من التنظيمين، للرفع في نسق العمليات بناء على مسوّغات فقهية متعسفة.

انسحاب من أفريقيا

في مقابل مساعي التنظيمات لاستغلال هذا الظرف العلمي لشن المزيد من العمليات الإرهابية، يلاحظ وجود لدى أكثر من دولة وقوة إقليمية لتعديل الحضور العسكري في أفريقيا أو تقليله. وفي هذا الصدد قال كليوناد رالي، المدير التنفيذي لمشروع بيانات الأحداث والمناسبات، الذي يتابع أنشطة المتطرفين في جميع أنحاء العالم “إن أي دولة مهتمة بالانسحاب في أفريقيا ستغتنم الفرصة للقيام بذلك. سيكون ذلك سيئا بشكل لا يصدقه عقل”.

وصرّحت المتحدثة باسم القيادة الأميركية الأفريقية، اللفتنانت كريستينا جيبسون، لوكالة أسوشييتد برس أنه “في حين تم تعديل حجم ونطاق بعض أنشطة أفريكوم لضمان سلامة وحماية القوات -سواء من الولايات المتحدة أو الدول الشريكة- فإن التزامنا تجاه أفريقيا سيستمر”. ولم تذكر تفاصيل عن العمليات المتضررة، لكنها قالت إن أفريكوم ما زالت لديها نحو 5200 جندي موجودين في القارة في أي وقت.

وقد أعلنت بعثة الجيش البريطاني في كينيا، التي توفر تدريبًا على مكافحة الإرهاب ومهارات أخرى، هذا الأسبوع، أن جميع عائلات الجيش تعود إلى المملكة المتحدة بسبب الفايروس.

وقالت وزارة الدفاع الفرنسية إن أكبر بعثة عسكرية خارجية لفرنسا، برخان في منطقة الساحل الممتدة بغرب أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، ستبقي على قواتها البالغ عددها 5100 جندي هناك.

وأصدرت منظمة فرنسية موالية لتنظيم القاعدة بيانا الثلاثاء تحثّ فيه القوات الفرنسية على البقاء في الوطن وإنقاذ الأرواح بدلا من ذلك.

ومن المرجّح أن تتخذ الوحدات العسكرية الأفريقية، التي تفتقر إلى الموارد بالفعل وتتعرّض للهجوم، إجراءات وقائية لأن الفايروس يهدد صفوفها. وفي نيجيريا، التي كافحت ضد جماعة بوكو حرام المتطرفة وفرعها المرتبط بتنظيم داعش، دعا الجيش إلى تعليق معظم أنشطته بما في ذلك التجمعات الكبيرة والتدريب.

استغلال الوباء لإعادة التموضع من جديد
استغلال الوباء لإعادة التموضع من جديد

وتقول مذكرة مسرّبة وقّعها رئيس سياسة الجيش النيجيري إن مركباته ربما يتعين استخدامها في المدافن الجماعية أو لنقل المرضى إلى المستشفيات في ظل انتشار الفايروس.

وقال ليث الخوري، مستشار مكافحة الإرهاب الذي يكتب أبحاثاً عن المتطرفين في غرب أفريقيا، إنه في حين أن قوات الأمن مستهدفة، فإن السجون التي لا تتمتع بالحراسة الكافية يمكن أن تكون مستهدفة أيضا. لقد حوّل كل من المقاتلين المرتبطين بتنظيم داعش والقاعدة منطقة الساحل إلى واحدة من أكبر أزمات التطرف الأكثر إلحاحاً في أفريقيا.

وأضاف أن مقاتليهم من المحتمل أن يستغلوا الوباء من خلال اتهام الحكومات بسوء إدارة الأزمة في محاولة لكسب الدعم الشعبي. وقال الخوري إنه في ظل سيناريو آخر، قد يعتقد الأفراد أن الدين فقط هو القادر على حمايتهم من الفايروس “وتجاهل النصيحة العلمية التي قد تؤدي إلى زيادة حالات العدوى”.

تُظهر بعض الجماعات المتطرفة إشارات على أنها تحاول، مثل بقية العالم، فهم الفايروس والاستجابة له. وفي الصومال، عقدت حركة الشباب المرتبطة بتنظيم القاعدة اجتماعا نادرا لمدة خمسة أيام لزعمائها في مارس ناقش أزمة الفايروس. وفي بيان اعترفت الجماعة “بتهديد الفايروس الطارئ” للعالم، بما في ذلك المسلمين.

وقال متحدث باسم حركة الشباب في وقت لاحق لوكالة أسوشييتد برس، إنه من السابق لأوانه التعليق على ما إذا كانت الجماعة ستستجيب لنداء الأمم المتحدة بوقف الهجمات، التي استمرت، أو ما إذا كانت ستسمح للعاملين بمجال الصحة بالوصول إلى المناطق التي تسيطر عليها.

وفي أفغانستان، ذهبت جماعة طالبان إلى أبعد من ذلك، حيث نشرت مقاطع فيديو عن التطهير وصورا لمقاتليها يوزعون أقنعة الوجه والصابون. كما عرضت ضمانات أمنية على أي مجموعة مساعدة تساعد ضحايا الفايروس، أو تساعد على وقف انتشاره.

وقال المتحدث باسم طالبان، ذبيح الله مجاهد، لوكالة أسوشييتد برس “إذا تفشى المرض، لا قدر الله، في منطقة نسيطر فيها على الأوضاع، عندها يمكننا وقف القتال في تلك المنطقة”.

13